أيا حالمًا بالأمس، والأمس ينساه. وأيا ضائعًا بين الورى، والجمع يسلاه. وأيا غارقًا في خيال عذب، ويعود بين حين وحين. أيا سجينًا بين قضبان الزمان الحارقة، وبين ذاته والنفس. أيا مطاردًا للأمس، وللوعد القديم. ألم تلحظ الأيادي التي تمتد في عرض الطريق؟ ألم تسمع المنادي ينادي في منامك العميق؟ “هلموا جمعًا إلى المحشر، واسترقوا السمع. وانظروا في مدد السديم، وعانقوا المنظر. واخضعوا لمولاكم سجدًا حين أعطاكم الكوثر.” أيا مستترًا في ظلام الليل، والصبح ملقاه. أيا من يمضي منكبًا على وجهه، ويعرف منجاه. أيا من يقلب الأفكار في الليل والنهار، ويضيع مسراه. أختلطت الأمور على الأمور، وبقيت خاشعًا في ظلال النور، ومضيت مؤمنًا بأن الوعد سيحين وأن العسر سيلين، ويأتي اليسر. فيطيب العيش ويأتي الأمس ويصبح شقيقًا للحاضر، وتنظر في المدى وتسرك المناظر، وتغط في منامك ويصبح وعيك غامر. أيا حاملًا سيفه على خاصرته، ويمضي مختالًا فخور، وينحر الكتب المقدسة ويصنع السطور. اصنع من خيالك واقعًا هشًا تقطعه نسمة الهواء، واقطع الصحراء مشيًا وابحث عن الماء، وإذا وصلت احلم بالنار الدافئة في خضم البرد والعناء. والتمس مقعدًا عند العرش العظيم، وانسى وتناسى الأمس، واحمل في قلبك ذلك الوعد القديم. الصحراء موطنك، والنخل ظلالك، والنور ينير أمسك وحاضرك في سُكنى خيالك.
-
غافيًا تحت النجوم،
نائمًا عند الضياء،
ابصر الليل من خلالي،
أقلب أفكار الفناء.
مرني طيف غريب،
من بين ألسنة الدخان
يحمل زادًا وفكرة،
ويجر عباءةً سوداء.
قال لي،
“أنا، يارفيق، عابر مر الطريق.”
ومضى يحدق في الفضاء
غافلًا عن الصمت العميق
وعن انعطافات الزمان
في الثواني والمكان.
واستهل محدثًا نفسه
“أنا، يارفيق، عابر مر الطريق.
احمل عباءتي السوداء على كتفي
وانساب من خلال المساكن والخيام
كطيف يحل للحظة ثم يغيب.
أنا، يارفيق، صورة الأنا الأبدية.
أنا الرجل المشع.
أنا يوسف المختار.
اطفو فوق البراري والبحار.
وأجد المرسى بين أحضان النساء.
وفي حانات السكارى والغرباء.
استقر على المشاعر
كنسر يرتقب فوق جبل
ليموت الطفل الجائع
ويفترسه لهيب قسوة الصحراء.
أنا، يارفيق، أنا الأمل الأبدي.
أنا البرودة تهب حين يقارب الموت
والصمت الممتد في عالم الصوت
وأنا العدو،
وأنا حاجز الصمت ذاته
حين يغمر المكان شعور الثقل
وحين يفقد المزارع بصيص الأمل
ليأتي طيفي المنقذ
وينعش الفلاة بالأمطار
وبالبريق والثلوج القلائل.
أنا من يمر لتعود تلك القبائل
لرقصها وطقوسها العبودية
في قرع الطبول رقصًا على جثتي.
أنا رقصة المطر.
أنا تردد الدحة في الصدى.
أنا من يظهر حين تحدق في المدى
لمدة كافية لترى الحقيقة.
أنا، يارفيق، أنا التأمل.
أنا مراقبة الله في المساجد
وأنا أنفاس العبد مرتدة
من على الأرض وهو ساجد.
أنا بشارة الرزق والقوافل.
أنا من ترى حين يأتي رجل غريب
ليحط يده على كتفك المتعب
ليخر الحمل وتحلق كالفراشة
وأنا الحاجز الذي تصطدم به
جناحاتك الممتدة.”
وحدق في ناصيتي ثم ابتسم
وشعرت أنني أغوص بلا توقف
في أسفل دوامة العدم.
قال لي،
“أنا، يارفيق، مجرد حلم عتيق.
أنا الأسطورة.
أنا من يتمتم به الكبار
وأنا الكابوس المخيف
في مخيلة الصغار.
أنا من يشرق في عقلك
أنا من حفظ اسمك
وظل مراقبًا منذ الأزل.”
وأخذ يطرق لحيته البيضاء الكثيفة
على إيقاع لا يُسمع.
تطلع إلى المدى الممتد في السديم
وقال لي
“أنا، يارفيق، أنا الندم
أنا اطراق رأسك
وانحناءة العجائز عند المقابر
وأنا الدموع التي تغسل الموتى
وتصنع من طياتها صنم
وتصنع رموزًا وزهورًا
لتبقى على مر الزمن
ترسم الإطار المناسب
للوحة الرقص الأخيرة.
أنا، يارفيق، أنا الحيرة
أنا التردد في غياهب الليالي
لكنني ابقى صلاة الاستخارة
وطريق الرشد حينما يثقل رأسك ذاك المنادي
ليقودك حيثما تريد الذهاب
فاذهب إلى حيث تريد
وانتظرني على العرش البعيد
وإن قابلوك ملوكًا
ومن خلالي سألوك
من أنت ياهذا؟
لمن تملك الولاء؟
وهل قطعت يومًا من فؤادك
لتطعم الفقراء؟
فأجبهم من خلالي
واترك الملوك جميعًا
وعش من خلال سؤالي.”
وقبل أن استجيب بسؤال
أخذ الضياء في عباءته
ومضى كألسنة الدخان
وبقيت أعيش في ظلامي
غافيًا تحت النجوم،
وفي دهاليز خيالي.
-
ويشرق الفجر من ثنايا وجنيتكِ ضحكًا وأنغامًا ورقص طفولة. يازهرة في القلب تنمو كعشب رطب يداعب الأرجل وينتعش الجسد. ويقودني السحر إلى محراب عينيكِ الدفينة وأذوب من ذاتي بإرادةٍ وتوجس. وينام قلبي على بابٍ يعلو النجوم ويلامس أطراف السحاب. وأسقط من خلالي على وسائدٍ من ريش جناحيكِ واغفو لحين ميعاد الصحو. وأطيل في منامي العذب وانسى أنني خلقت من أجل شيء ما. ولازلت أبحث عن شيء ما. في ثنايا خلجاتكِ حيث يفيض المعنى وترتاح الطيور. وفي مسار الزمان المتعلق بين غمضة جفنيكِ وومضة برقكِ ابحث عن شيء ما. في ردهة تمتد لسبع سنين عجاف، أجد مصدر رزقي تحت أنامل سنبلتكِ. وفي آثار أجدادي أجد وجهكِ مرسومًا على أصالة وجودي ومنبع يجمع جمعنا. أنتِ الصحراء تمتد باحتمالات الوجود. وأنتِ شجرة السدر وظلها الدافئ. وأنتِ ينبوع ماءٍ تصله القافلة لهثًا وعطشًا واحتياج. وأنتِ خيمة زرقاء تمتد على مد البصر، أينما نظرنا كنتِ أنتِ. وأنت قاع الأرض تنبسط تحت أرجل العاملين عليها وممن يطلبون الرزق ولقمة العيش. أينما مضينا كنتِ أنتِ. وأنتِ صرخات فرحٍ في يوم عيد وأضاحي تُذبح لشيء يفوق قدرتنا على المعرفة. وأنتِ السلام، ورد السلام، واندلاع الحرب في محاولة لكبح الجماح. وأنتِ السنابل، تذهب وترجع، وتهتز مع الريح العصيبة. وأنتِ الكلمة تنطق بأول اليوم، وانقطاع الكلام ليعيش في خلجات الصمت. وأنت ناصيتي وانتصابي، أرضي ومحرابي، ومعبدي القديم. ولطالما نسيت معبدي القديم، حيث ارمي عباءتي السوداء وارتمي على الأرض استقي راحتها. وتحتضني، وأجدني في يديكِ، في سعة أراضيكِ. وأعرف المعنى وشيء ما. ولربما كان الوجود أقل ثقلًا وأضعف حيلة، ولربما غاب المساء عن مخيلتنا ووجدنا أنفسنا فيما بيننا، ولربما طال التساؤل والسؤال. ولربما كان الأمر، كل الأمر، محال. لكنني الآن أعرف أن مسانا مهما استدام، وورد الربيع حين تساقط واستقام، وورق الخريف حين تطاير رقصًا في الرياح، كنتِهنالك دومًا تحملين بسمة الابتسام.
-
ولكم كنا في مسرات الزمان على الأرائك نلتقي. ولكم حزنا على ماتركنا في متاعب الزمن. ولكم تركتك تنتفض وتثور حمقًا في مساء غاب عنا. ولكم عرفتك، وعرفت عنك. حاملًا الكون كله في يديك، عابرًا عبر النجوم. ولكم تركتك تغيب عني وتغيب مني وتنساب عبر كيان وجدي وتجدني هنالك. حاملًا الوعد نفسه، وفي الانتظار. احمل ورود روحي واقف في خضم زحامي. تمر من خلالي وتسابقني ويسبقني الزمن. وينفيني المكان لأنني لا أنتمي. واغيب حسرة. وأكون أنا الغريب، حاملًا وردًا مجفف وابتسامة الحمقى الغريبة. ويمرني الجمع الغفير ولا يعرفني جمال وجهك. وتصادمني أجساد بليدة مشغولة بالانشغال. اذهب إلى السفر الأخير فأراني سربًا، أو تماثيلًا كثيرة. وأرى طير السلام عند بابك، واقترب بحرص. يتساقط الورد مني ومن خلالي. وعبر مرور وقتي لا أراني. فيمر طيفي من خيالك. ومن خلالك أعرف وحدة الليل العصيبة. وأعرف أنني لكم تعبت، ولكم غفوت بحثًا عن الصمت الملم. وفي خضم الصمت، يقرع ايقاع ذاتي وأعود وعيًا من جديد.
-
يهب الريح من عصف الثواني وينتفض كيان الوجد وينخمد. وأبقى في اتساعات المكان بلا حراك ولا صوتٍ يجدد صمت الشاعرية المثلى. تغيب العنجهية وتمضي الحشرات تنخر في مخيلتي العصيبة. وافقد توازن المغزى وينجرف المعنى لأعماق مبهمة. أتكلم بلا انقطاع من خلال الحجاب ويسمعني بحرص كائنًا من كان ويهز رأسه. يفهمني ولا افهم ما يريد. واسمع أنفاسه تتحرك بلا انتظام وبوحشية غامضة. لا يكترث لساني بما يحرك كياني ويغيب في سراديب المعاني والأمنيات. ويرجع من جديد لأرض القصيد ويسقط على وجهه مكتوف اليدين، مغمض العينين وصامت. يفقد حواسه ويقبل قدم الحارس على باب المواعيد الملحة ولا يرضى بالرجوع. اختار الخضوع أمام الشعور باللاوجود وامضي ارسم بخطٍ أحادي بلا اصطدام أو انكسار. اعبر عما ضناني وعن من نفاني من سراديب كياني. فارسم قطة، تبدو لطيفة لكنها تخلو من الواقعية وتحمل شيطانًا يتسرب من عيناها ويخرج كبكاء أو كعواء. ارسم حمامة، وتُضرب بالحجارة وتسقط ترجف ثم تموت. وارسم جدارًا يفصل بين حبيب وقصة حب عما سيكون. يبقى الجدار، ويمضي الأحبة بالآمال وأحلام الرعاة والبسطاء. لكن يومًا سيأتي وتطير ورقة الجدار وينكسر فعلًا ويحتضن الجمع جمعًا آخرًا بكل امتنان. وارسم قرشًا وبنقلب على جانب آخر. يبقى يدور. وبلا توقف يقطع يدي ويذهب بعيدًا ثم يعود ليجرح ساعديّ وقلبي. وارسم آلة العزف القديمة وينحني جانبها فتاة جميلة تحمل ثعبانًا بين فخذيها يخرج ويختبئ ويعزف لحنًا يكون ضحاياه أهل العاطفة والعاشقين. وارسم فكرة، تبقى لجيل سيأتي بعدي وتبقى لكم من الأجيال. ويأتي شجاعًا يمحي الرسم ويرسم فكرًا جديدًا مثير. وارسم شعري، ملامح وجهي، وذقني المتين. أبدو كمن غاب عنه النوم لفترات طويلة بلا انقطاع. أركز حقًا في رسمي لنفسي ولا أجد غيري يركز بي. أعرف أن جميع الأمور خدعة، وأن يد الكون تعبث بي. لكني ارسم وجهي أخيرًا متطلعًا لذات الكون الوسيع. وتأتي النيازك تحطم وجهي، رسمي وحلمي، تحطم كل ما تستطيع. وأعرف بعد الرجوع لفكري أن رسمي لا يستحق. سيمحى بيوم، وسيبقى محاولةً تثير التقزز. سيبقى مجرد محاولة قرد يحاول فهم النجوم البعيدة، ويقفز قفزة متأملًا أن يخطف سحابة من زرقة السماء.
-
يحط الطير على قامة الأفق. ويحن الحمام إلى موطنه. ويبقى الصراع يصنع طريقه من خلال الرمل. فجر الشتاء يزداد برودة وتشرق الشمس بتوجس بين خجل وتردد. من خلف هامات المباني، ومن خلف امتدادات السياج، تمتد السماء. تتخالط درجات الصفرة مع الزرقة بعناق ملحمي. أشعر بدفء الوطن وحميمية الموتى أكثر من أي وقت مضى. مازلت صامدًا في وجه ذاك المدفع الساخن ودخانه المتصاعد حينما ينتصب الصباح على قدميه، ويتنفس من خلالنا. يظهر الطيف من خلال الركام ويقترب ساترًا شعاع الشمس بقامته. تطير الطيور، ويحط الحمام على سياج منخفض وكأنه يود أن يرى بحذر واهتمام ما يحدث. يسألني، هل حلمت في طيف النسيم يومًا؟ هل عبرت من خلال الحلم غفوًا في الأماسي؟ هل غفلت العبق في صباحات الربيع؟ هل شعرت جنة الخلد في عناقات المآسي؟ هل مضيت الحياة رحمة وتعاطف؟ وماذا عن الحب؟ هل جلست على جرفه وخلعت نعليك وغمست أطرافك؟ هل وجدت النار تنتظر، في وسط الظلام الحالك، بعيدًا عن الوطن، والله ينادي أن تطأ أرضه الطاهرة؟ وينحني الطيف ليقبل الظاهر مني توجسًا وخيفة. ويعجل الليل في قدومه ويغوص مرأى بصري تحت ستر الشمس. مستورًا عن الشمس، ابكي مسامعي. اسمع صوت الذكريات. صوت الطفولة تمضي بين ضحكات وغضب. أيدي صغيرة دافئة تلمس مقبض الباب البارد وتصمت حيرة من ذاك التناقض. ولربما كان الوجود منطقيًا، للحظة. ولربما كانت وطأته أقل قسوة على قلبٍ صغير يحلق وسط صدرٍ خالي. ولربما كان الارتفاع نحو السماء يشابه ذاك الوعد القديم. توجه عالي نحو الجنان. يبتعد الطيف ويقول لي، أترى؟ هنالك في السديم؟ وطار الحمام عاليًا حتى أقتصر على بصري الرؤية، أو كان الأمر مجرد خدعة وسحر. أترى؟ هنالك في السديم؟ هنالك يرقد قلبي الرحيم. هنالك من حيث أتيت. وسأذهب يومًا هنالك. سأحلق مكتوف اليدين، وقلبي الدنيوي في يدي أطلب البعد وقليلًا من النشوة. أترى؟ هنالك في السديم، خلف السراب، وخلف هامات المباني وارتفاعات الصباح؟ خلف امتدادات السياج والمآذن؟ هنالك حيث سنرقد في المساكن هانئين. حيث تكون الشمس أقرب، ويعمينا الضياء. ونرقص بين يدي القمر في امتدادات الخواء. وسنتسامر الذكريات حينًا تحت ظلال المنابر. وسيكون الجمع شيئًا واحدًا يجادل نفسه، ويحتضن كل شيء. هنالك، كل شيء يحتضنك. كل شيء في مداعيس الجنان يستقيك وينتظرك. يحط الحمام ويسرق انتباهي للحظة. تعود الشمس في نصب عيني تخترق ناصيتي. يمر شعاعها صانعًا عينًا جديدة. انظر للحمام، وللطيور، ومن خلال الأفق. في فجر الشتاء البارد، امضي في رؤياي. وانظر عاليًا، هنالك في السديم، أرى قلبي القديم. اجتبي الدفء وامضي قدمًا. وانظر من حولي، متسائلًا عما جرى. ها أنا الآن، هل يا ترى فعلًا أرى؟
-
وتسأل نفسك في مغيب الشمس، متى يحين النهار؟ ويخرج أبناء الله رقصًا في الساحات والطرق. متى نلتمس الضياء ونبقى في ظلال العرش؟ متى نتمدد في الحدائق هانئين؟ متى يجف نهر اللغط ونبقى صامتين؟ متى نحوم الصحراء نحمل الماء في جوفنا، مرتوين؟ متى تقف قلوبنا عن الركض في اتجاه الحب موتًا وتضحية؟ متى نرى الشعاع يخدش الأركان ويرقص على جثث الظلام؟ متى يغيب الليل؟ ومتى نعود سائرين إلى الحياة ونقع على أرجلها نطلب الرجاء وبعضًا من المغفرة؟ وتسأل نفسك في مسيرة الحياة، متى تحين الحياة؟ متى نتوقف عن البكاء فوق مقابر الشهداء؟ متى تعود شجرة الزيتون شامخة تعاند الهواء؟ متى تحط اليد برفق وتمسح عنا العناء؟ متى؟ وتسأل نفسك حين تسأل نفسك، هل أنا ذاك الرجاء؟ هل أنا الأمل البعيد، والسراب؟ هل أنا حبًا خالصًا وجمعة الأحباب؟ هل أنا شعاع النور ينفض الغبار من على الزوايا المهجورة؟ هل أنا حقًا هنا؟ هل أنا حقًا أنا؟ هل أنا جذع النخلة ممتدًا يطلب السماء؟ هل أنا الهائم على وجهه يهيم في الأرجاء؟ هل أنا حقًا هذاك؟ هل أنا السائر في مسيرة الموتى والمحب للأحياء؟ هل أنا ورقة شجرة الزيتون في صراع للبقاء؟ ازرع نفسي هنا واترك العالم يمضي من حولي بدون عناء؟ هل أنا حقًا الأرض، والبحر والفضاء؟ هل أنا الأسماء؟ أحفظها تلقينًا وأنسى وابعث من جديد. هل أنا الفعل البليد؟ نائمًا في دنياي مستمتعًا في حلمي السعيد؟ هل أنا حقًا سعيد؟ في ظلال الوهم حيًا، متمسكًا بالسحابة البيضاء. منكرًا للبرق والمطر الشديد؟ وتسأل نفسك في حين، هل حان الوداع؟ هل هذه اللحظة الأبدية؟ هل من أجل هذا حفظت الأبجدية؟ لأكتب ما تراكم في العصور الأولية؟ هل يحين التوق لحظة؟ هل تهب الريح لحظة وأسافر عابرًا ذاك السبيل؟ هل هنالك يرقد الحلم الجميل؟ في خيالي، أم في منامي؟ أم في يقظة الحياة السرمدية؟ هل يحين الحين يومًا؟ هل سأمضي في سؤالي؟ هل سابقى طول عمري شاعريًا؟ ابكي أحزان الأغاني، واقبل قبر جدي كي لا يغيب الحب في ظلام القبر، ويخرج الورد مشعًا تحت وهج الشمس يؤدي رقصة السامرية؟ وتسأل نفسك في ظلام القبر حينًا، من إلهي؟ من رسولي؟ هل بعثت لأكمل نسلًا؟ أم أنا حقًا وحيدًا باحثًا في كل الصحاري والبحار، متعبًا من سير الخطى ومن ظلامي ومن شعاعي؟ هل أنا حقًا هنا؟ هل ولدت لكي أكون، أو لا أكون؟ هل سأقدر أن أكون ولا أكون؟ راضيًا عن كل شيء قد يمر من خلالي، بلا تفاني؟ هل أنا حقًا سأقدر؟ وتسأل نفسك في وسط كل الجموع، هل أنا حقًا يسوع؟ هل سأنقذ النفس حقًا؟ هل سأضحي عن مكاني؟ هل سأطرب للأغاني، عازفًا أو مستمع؟ هل سأصعد فوق الصليب وأضحي للجميع؟ أم سأبقى هاهنا، على الأريكة بين مضي الثواني؟ هل سأبكي مناصرًا كل ذاك الجمع حتى أنصرع أو أضيع؟ هل أنا كلي الجميع؟ وتسأل نفسك في مهب الريح، متى نقف بلا حراك؟ متى ندق جذور الأرض ونجد الماء ينساب تحت أرجلنا راقصًا تحت الحراك؟ هل صحيحًا أنني فعلًا أراك؟ أم بقيت ككل ألوان الحياة، ظلًا على الحائط غافلًا عن من هواك؟ هل ستجدنا حبًا ومغفرةً وتحتضنا في حماك؟ وتسأل نفسك عند قرب الغفو، هل سأستيقظ يومًا في الحياة؟ ومتى يحين وعدك؟ متى يحين الوعد ذاك؟ وتسأل نفسك عند المآزق ومفترق الطرق، هل سأملك العصا لأدق البحر ضربًا وأجد الخلاص؟ أم أن هذا الأمر سحرًا؟ هل سنمضي من خلال الموج جمعًا؟ هل سنصل هنالك بلا بلل يغطي أجساد الطفولة وينساب للكبار والشيوخ والعجائز؟ هل سنصل لأرض الوعود حيث كل شيء جائز؟ سنطير ونغني، ونسافر ونعود. سنغطي بعضنا بالحب والأماني والورود. سنرتل الشعر موسيقى، ونطعم بعضنا ملء الخدود. هل في يوم سيحق لنا أن نعود؟ لأننا نمضي في مغيب الشمس نسأل. وفي ظلام القبر نسأل. وعند ذاك الحين نسأل. في مسيرتنا للحياة نسأل. في المآزق، في مفترق الطرق، وفي مهب الريح نسأل، وفي الجموع. هل وهبنا هذا الوجود هبة؟ أم غفلنا عن امتدادات السعة؟ نختنق تحت التراب. نركض لاهثين خلف كثبان السراب. ونعرف أن في السؤال تتواجد كل أسرار الإجابة. وتبقى أدعيتنا غير مكترثة أو مستجابة. ونتلاشى تحت ومضات الليالي. ونبقى ككل الناس غافلين وحائرين. ونعرف أننا هنالك، نائمين تحت شعاعات ظلالك.
-
أحفن ملء يدي خيالي البعيد. يتوهج وأبطنه في غياهب الوعي. وأحمل قلبي على راحة كي لا يغيب. يخفق واتبع دمي المتساقط. وأغفل وجعي ولا أستطيع. وامضي بنفسي من خلال الجموع، مسيرة نبوة. وأتوق حنينًا لما اشتهي، لما قد يكون. وأستقي شيئًا آخرًا ليحل محلي ولا أستطيع. أبقى أنا، حينما اكتب شعري عن الغرباء. عن من كانوا يسيرون تحت وهج الشمس، عبورًا للصحراء. لا يشبهونني كثيرًا، أجدادي الذين رحلوا. غير أننا نبحث بلهفة عن بئر ماء. كلنا سمعنا وعود لم تصل، وبقينا نغني في هجع الليل. تحت النجوم أرى ما تبقى منهم. أرى القمر وتغرق عيني بالشوق لشيء ما. أتوق وتنكسر زجاجة صدري. أطوع اللحن الجميل وأغني على الفراق حاملًا الربابة ذاتها. يهجع الليل وأبقى مع خيالي البعيد. خيالي البعيد، وصورة العشق. هيام يطفو على نهر الهوى. هوى ثم استقر على سفح جبل الذكريات. أحرك يداي من خلال الهواء بحثًا عن القبضة. بلا جدوى. أبقى في سكينة فضائي الصغير، أتنفس من خلال أنفي. أتأمل سرداب ذاتي وأبقى مراقبًا. يظهر وجهك كطيف قد ثناه العمر وانطوى مع الرحلة. وتجتمع الأمنيات لما مضى من الزمن البعيد. أحاول الإمساك فيتلاشى ما ليس هنالك. ويختفي وجهك كسفح دموع من على صور الذكريات. أتذكر؟ أتذكر حينما احتوانا المكان. وحين عبر بنا السلوان من خلال الزمان. حينما تثاوبت أنفسنا الكسولة من خلال سديم صباحاتنا. حينما استلقينا عراة تحت ألسنة الشمس تلعقنا بحرارة. نتقلب ذات اليمين وذات الشمال، تمللًا ومتعة. ويعبر النهر من جانبنا يصدر هديرًا يأخذنا إلى فردوس السكينة. وعبق الربيع مختلطًا بأنفاسنا يعبر من خلال نفس الحياة. حينما كان العشب أخضر، ويزداد اخضرارًا. يتساقط ورق الشجر ليطرز المكان. ونبقى هنالك، مرورًا من خلال كل شيء. يمر الزمان، ويبقى المكان يحمل رائحة الوطن. غافيًا، غافلًا عما يحدث. يتجلى الواقع حينما تأتي اليقظة وأحفن ملء يدي من ذاتي. يمر شعاع الشمس من على عيني. أعرف أنني عدت. مقيدًا في فضائي الصغير. أكثر واقعية. أكثر عبثًا. أكثر تبعثرًا. كتلك الأحجية، أحاول تركيب صورتي من جديد.
-
أبحر فإنك لم تعد تطالب بالرضا. أبحر فإنك لم تعد تسعى لأن تكون. أبحر فقلبك خامل ومشاعرك الفياضة لن تُرى من خلال الموج الغامر. أبحر فصدقك غافل وقداسة الأشجار لن تبقى ليوم واحد، تُقطع كأنها لم تكن. أبحر واغرق بحب البحر حينًا واستمر قدمًا تطالب الأسماك حبًا مستحيلًا لهكذا مخلوق. أبحر واصنع سفينتك الرديئة تقاتل الأمواج وترقص في الرياح العاتية تمخطرًا وسكينة. أبحر وعد لذات البحر ذاته، واكتب اسمك المنسي على زبد البحر لعلك تلحق الغفران من على الشاطئ. أنسى كأنك لم تكن. عبثًا تحاول أن تكون. أنسى كأنك لم تكن، واعبر بحورًا، وفي خيالك شيد قصورًا للقصص. حينما يلتقي العاشق حورية البحر الجميلة ويهيم سحرًا من خلال الماء ويضحي غرقًا للحب والانتماء. ويعيش في هوى عالم الأسماك، يعيش الانتشاء. حينما يقاتل البطل المغوار جيوشًا وقبائل، ويسقط موتًا على سيفه حفظًا لشرف عائلته النبيلة. حينما تخرج امرأة شجاعة عن نمط الرتابة وتقاوم، وتموت مكسورة الجناح مهملةً حسيرة. حينما يتأتأ طفل من بين يدي أمه ليصل إلى ذاك الفهم ذاته. أبحر واستقي الفهم ذاته. أبحر وخذ نفسًا عميقًا، نفس الخاشع في صلاته. نفس العابد في سكاته. أبحر وخذ نفسًا عميقًا. يشق البحر كعصا موسى معجزةً وسحر. واعبر إلى أرض الوعود. أنت وقومك، متماسكين. ترددون الصلاة القديمة ذاتها. فتمسك السماء دموعها ألا تغرقوا من حزنها. وتكتم الأرض نفسها حبًا ورحمة. اعبر إلى النفس الأخير، والفظ حياتك. تتساقط الأزهار من رئتيك. ويخرج الخوف من جفنيك، نومًا هنيئًا. وتتطابق شفتيك، قُبَلًا وأحضان هوى. وأحضن سريرتك الدفينة في كلتا يديك. فهي تبكي شوقًا عليك. ويخرج الطير السجين من صدرك محلقًا عبر الكواكب والنجوم، وإلى الوراء. حيث هنالك اللاوجود والعرش العظيم يمضي تموجًا على الماء. يسقي شجرة الحياة بلا تراخي. واسقط حملك عن ساعديك. وانفض خصرك النحيل وانفخ ما تبقى على كتفيك. واسقط ركوعًا، واخشع بكائًا أو نحيبًا وابتسامة. واسمع ذاك الحكيم في كلامه. أبحر كأنك لم تكن. واقطع بحورًا. واترك شجرة الحياة تطبطب على وجنتيك بأياديها العديدة. كن ابنًا صبورًا. وأبقى صادقًا لما ليس هنالك، من حيث أتيت. دومًا مقاتل. تحارب الموت بصدق، وتسري كالأموات. من خلال ضباب البحر تلمح مركب النجاة. تبقى في مكانك ذاته طلبًا للمساعدة. قد تعبت البحر دومًا، وقد مللت. قد تركت البحر يومًا ورحلت. أنت لست هنالك. يطفو اسمك على زبد البحر ويلطم الشواطئ. لا يحدث ضجة أو اضطراب. ثم يبحر مبتعدًا كثيرًا، ويختفي خلف كثبان السراب.
-
“…And what were we given? A promise? A promise to have what? To be what? To go where? I’m afraid it’s all but a desperate small attempt. We were given the grasp, ever so insignificant and pathetic. Yet we grasp. We run like wild animals through gloomy forests on fire, for a grasp. Even though we were not promised. It’s a shadow against a wall. We give our lives to it. And what for? For a promise that we were not promised? For a cold and fresh passing breeze through a hot and suffocating storm? To lie there in utter defeat after and let the crows pick our eyes that once sought and caught beauty straight out of our sockets? All that is not what we truly want. And what do we really want? I’d guess we want the real promise. To stand between two bodies of water that will never run out. To peacefully lie under the warm light of the sun in a cozy summer day in the middle of a field that is ever so green. To let light touch our bodies, saints and devils alike. To be astounded by beauty and wonder and never fail to be. To reach and actually touch something of worth. To stand in love and die in love, and never cease to be in heavens with the ones we love. To wander through valleys and deserts and kneel upon a stream and kiss the reflection of our being. To never swirl down into the belly of the beast, but to rise! Rise up! Always rising. Never despair! Always rising. Never to fall! Always rising. And when we do fall, to find hands made of feather to catch us. Always embracing. Never not facing our fears. To have, and to hold. To never live in cold. And to guard like worried angels from heaven’s merciful chambers. Never to break. To always give, and also take. To soar up through skies and skies made of glow and clouds and sit upon the throne that is sailing on water beside the tree of life, never sinking. And if we sink, to find new ways to breathe freely when we suffocate. To be free. To put the weight aside and hike up mountains upon mountains until we reach the steamy cosmos. To peak through, and see us born again anew. No need for storm or for thunder. We are all steamy hearts made of wonder. Ever reaching with the weakest grasp, never touching the fingertip of God. To never fold our hands to the chest, with beating hearts that take no rest. To never tire, and to live! To wake up early and watch life breathe into the morning with a gasp. To reach for more than a promise or a grasp.”