انحنى رأسي وقالت “لا تخاف. الكره يبقى اختلاف. تبقى تقاوم في محبة، وتسقط في نهاية المطاف”. ثم غابت، وغاب في صدري كلامي. فطرتي انفلقت، وأخرجت شيئًا يسيل. توقف عند قدماي دم السواد. تصلب. ووقفت في منفاي بلا حراك. لم يكترث يومًا لدمعي، ولا مناجاتي وسمعي. لم يعطني أي اهتمام. تلاشى الصوت الحتمي في المنفى. الصمت يحتضن الجميع. والجمع ينظر في أحداقي السمراء مطليةً بالشمس. لم يحرك الجمع صراخي في حنايا الصمت لحظة. ظننت أن الرياح توقفت لتعطنا متنفسًا لنجتذب الحياة. في براءة الآدمي المغفل، كنت اجتبي الحديث. غابت في حنايا صمتي أميرة المرسى، فمن لي غير أمواج البحار؟ خابت محاولاتي الصغيرة. يد تمتد من خلال الجمع في اتجاه النور يطلوها السواد، فتحجبها الغيوم. سكنت على رمل الصحاري، أتلفظ أسراري على سرب الخليقة. يمر من خلالي على مر الزمان رجال يعبرون الليل ويستقون النهار. ظننت أنني النهار. ظننت أنني المقصد، من غير قصد. كنت طفلًا شاعريًا، ومقاومٌ في شبابي عاطفيًا. قمت ثورة، وانتفضت اركل الرمل ليرتطم في ظلال الشمس ويعود منتقمًا عبوسًا. في مكاني، الرمل يغمر أعيني لا اراني. لكنني أعرف، في براءة الآدمي المغفل، أن أعيننا عن بعضنا لا تحيد. ينحني رأسي واسمع همسك من بعيد، متبعًا بكلماتك الشاعرية. امتطيت الشعر مركب، وسرت في الصحاري الداخلية. قلتِ لي، “لكل من أنقطعت بهم السبل عن السبيل. أنت الدليل. أنت الصورة ورمز الجاهلية. يطوفون عليك ولدان مخلدون، وأنت اللؤلؤ المنثور. أنت النشور، وأنت من بقايا قوم كانوا يحومون الصحاري والبحار، ويعودون ليستقوا ماءًا تحت قدميك، ونارًا تبعث الدفء المناسب للإحتفال. أنت المحال، أنت الجنان، وتحت كيانك إستبرق”. لكنني كنت في دم السواد أغرق، حتى تكاد تخنقني الخيالات العدمية. كنت عدمًا في حضوري، وكنت عبثًا في حضور الآخرين. كنت أغرق، في غياب أميرة المرسى، كنت أغرق. كان في خيالي صورة يد تمتد من بين أطياف السماء، وتقطع السديم لأجلي، وتقطفني من بين الجمع كثمرة تفرح حين تؤكل. كنت اضحي، وأجتث من ذاتي ثماري، ليأكل أخي الجائع في وحدة لياليه السرمدية. ليعرفني الجمع كله، ويهتف بأنني أنا الصبور. ويهتف لينقذفني حين النشور. في براءة الآدمي المغفل، كنت واحدًا في الجمع. كنت احتضن السرور. كنت حقًا أقصد المقصد، واسعى أن تكون الاحتمالات واقعية. لكنني اقتل نفسي وأخرج من دياري. وابقى منحني الرأس لعل الصوت يرجع. أو نسيم عبرني يومًا يعود. في براءة الآدمي المغفل، ابقى عند وعدي، وتستمر الوعود. تهمس في أذني قليلًا ثم تهرب “أيا أملًا يراني ولا اراه، عد سعيدًا ومغفل، عد كما كنت تقبل كل ماكنت تراه”.
اترك رداً على Muhammad H. إلغاء الرد