غافيًا تحت النجوم،
نائمًا عند الضياء،
ابصر الليل من خلالي،
أقلب أفكار الفناء.
مرني طيف غريب،
من بين ألسنة الدخان
يحمل زادًا وفكرة،
ويجر عباءةً سوداء.
قال لي،
“أنا، يارفيق، عابر مر الطريق.”
ومضى يحدق في الفضاء
غافلًا عن الصمت العميق
وعن انعطافات الزمان
في الثواني والمكان.
واستهل محدثًا نفسه
“أنا، يارفيق، عابر مر الطريق.
احمل عباءتي السوداء على كتفي
وانساب من خلال المساكن والخيام
كطيف يحل للحظة ثم يغيب.
أنا، يارفيق، صورة الأنا الأبدية.
أنا الرجل المشع.
أنا يوسف المختار.
اطفو فوق البراري والبحار.
وأجد المرسى بين أحضان النساء.
وفي حانات السكارى والغرباء.
استقر على المشاعر
كنسر يرتقب فوق جبل
ليموت الطفل الجائع
ويفترسه لهيب قسوة الصحراء.
أنا، يارفيق، أنا الأمل الأبدي.
أنا البرودة تهب حين يقارب الموت
والصمت الممتد في عالم الصوت
وأنا العدو،
وأنا حاجز الصمت ذاته
حين يغمر المكان شعور الثقل
وحين يفقد المزارع بصيص الأمل
ليأتي طيفي المنقذ
وينعش الفلاة بالأمطار
وبالبريق والثلوج القلائل.
أنا من يمر لتعود تلك القبائل
لرقصها وطقوسها العبودية
في قرع الطبول رقصًا على جثتي.
أنا رقصة المطر.
أنا تردد الدحة في الصدى.
أنا من يظهر حين تحدق في المدى
لمدة كافية لترى الحقيقة.
أنا، يارفيق، أنا التأمل.
أنا مراقبة الله في المساجد
وأنا أنفاس العبد مرتدة
من على الأرض وهو ساجد.
أنا بشارة الرزق والقوافل.
أنا من ترى حين يأتي رجل غريب
ليحط يده على كتفك المتعب
ليخر الحمل وتحلق كالفراشة
وأنا الحاجز الذي تصطدم به
جناحاتك الممتدة.”
وحدق في ناصيتي ثم ابتسم
وشعرت أنني أغوص بلا توقف
في أسفل دوامة العدم.
قال لي،
“أنا، يارفيق، مجرد حلم عتيق.
أنا الأسطورة.
أنا من يتمتم به الكبار
وأنا الكابوس المخيف
في مخيلة الصغار.
أنا من يشرق في عقلك
أنا من حفظ اسمك
وظل مراقبًا منذ الأزل.”
وأخذ يطرق لحيته البيضاء الكثيفة
على إيقاع لا يُسمع.
تطلع إلى المدى الممتد في السديم
وقال لي
“أنا، يارفيق، أنا الندم
أنا اطراق رأسك
وانحناءة العجائز عند المقابر
وأنا الدموع التي تغسل الموتى
وتصنع من طياتها صنم
وتصنع رموزًا وزهورًا
لتبقى على مر الزمن
ترسم الإطار المناسب
للوحة الرقص الأخيرة.
أنا، يارفيق، أنا الحيرة
أنا التردد في غياهب الليالي
لكنني ابقى صلاة الاستخارة
وطريق الرشد حينما يثقل رأسك ذاك المنادي
ليقودك حيثما تريد الذهاب
فاذهب إلى حيث تريد
وانتظرني على العرش البعيد
وإن قابلوك ملوكًا
ومن خلالي سألوك
من أنت ياهذا؟
لمن تملك الولاء؟
وهل قطعت يومًا من فؤادك
لتطعم الفقراء؟
فأجبهم من خلالي
واترك الملوك جميعًا
وعش من خلال سؤالي.”
وقبل أن استجيب بسؤال
أخذ الضياء في عباءته
ومضى كألسنة الدخان
وبقيت أعيش في ظلامي
غافيًا تحت النجوم،
وفي دهاليز خيالي.
أضف تعليق