هوية

لم أنتمي للغد أبدًا، ولم أنتمي للصورة. لم أبتعد عني أبدًا، فأنا حبيس الصورة. أقلم الشجيرات الصغيرة، واستقي ظِل العباد. واستقي عطشًا بحورًا، فلا أجد ماءً وزاد. أنا ابن صحراء جدي، وامضي تقلبًا في الريح. ولست ابن صحراء جدي، ولا أنتمي للريح. امضي معها، بلا تردد أو كلل. واستقي حلمًا جميلًا، وانطبق على ذاتي الكسول. استنجد فيه بأن يفيق. فالبحر يغمرنا معًا، ويأخذنا لحيث لا نريد. أنا ابن أقدار جدي، وابن سلالة الصحراء. اخرج للفلاة وامضي، استقي ماءً وزاد. أرى الصحراء ممتدة. واشم رائحة ملح البحر، لكنني أرقد في الفلاة. اضع رأسي على آثار جدي وأرى أثر الغرباء. من بينهم آثار أبنائي تملأ الأرجاء. لم أبتعد قطًا بخطوة ولن أعود فأنا بعيد. يخطفني الحلم الجميل وأبقى بقرب الأرض. اسمع خطوات أرجلهم، جميعهم من رحلوا. تركوا لنا ترابًا لنأكل منه بنهم. لكن التراب يجعلنا عطشى وملح البحر لا يروي عطش الطيور. ابتعد خطوة وأعود وأنا سعيد. أنا ابن الفلاة ممتدًا على رحب السعة. تنشرح الخطى والمقابر ونبقى على قيد الحياة. نقلب الريح معنا، وننطوي لأقدارها كحقل يلتهمه لهيب النار. هنا حيث كانوا يتسامرون بما سيكون. هنا حيث كانوا ومضوا إلى ما سيكونوا. يتسارعون للماء عطشًا وتلتهم الصحراء خطاهم. يطوون طيات الأرض بخفة العفاريت المختبئة بينها. عبق الصحراء اختلط مع عبق خطاهم، فالتهم ملح البحر ثراهم. وبقيت أنا اقبل الأرض الدفينة. تقابلني بالجفاء ويزيدني ذلك شغفًا. فبالنهاية ارفع رأسي وانظر للسماء. يستيقظ فيني حلم الطير، فتقبلني الأرض شغفًا. تغار الصحراء في جفائها وتحتضني ليبقى ظل طيفي. تطويني في طياتها وتُخرج العفاريت. أحس بدفء خطاهم، وقطرات ماء تتساقط من ثغرهم لهفة العطش. لم يعرفوا الشيء الكثير. عرفوا أنني سآتي يومًا منتشيًا عبق البعيد، وأن الحب سينحني في خيالي ليوقظ الشوق. أن الشوق سيتوق ليرى ما هنالك. هنالك على غسق الوجود يغفو الحلم المنتظر منتظرًا ساعته. هو من أيقظ سيد البيد يومًا، واحتضن من تغنى في أرضه الخضراء. خضراء أرض قصائدنا خضراء. تتمدد في البيد تستقي القوافل والمطر. تحلم بأن نجد أرض الماء. أرض سلالتي الموعودة. حيث تنام حورية البحر على شاطئها تستقي الشعر والغناء. ويرتل العبد الصلوات وحيدًا في الفلاة تحت سماءها الظلماء. ليشع نورها في يوم تحت نور الغسق، حينما نفقد بصيص الأمل ونطلب مطر السماء. فالريح لا تقدر أن تحيد الصلوات. ولا يقدر ملح البحر. تعبر كطيف الأمس في ومضة، وتجد أذن المجيب. تعود والطمأنينة تغمر الأجواء. لا نلقي بالًا للصحراء، ولا لتمدد الفلاة. نسمع أغنية الغسق ونرى بصيصه. نحج جمعًا باتجاهه. نخلع نعلينا ونتمدد تحت السماء. ننظر القمر مبصرًا إيانا، متغزلًا بالنجوم. نرى الحب فعلًا، والهوى تجلي. نتبادل الشعر وصفًا لكل ما هو بعيد. ونضع يدًا على الخد ونستمع لأحاديث لهيب النار. كل شيء يلقي سمعه، ونعرف أن الغد سيعود. وتعود آثار جدي جلية للعابرين. يبتسم ثغري الصغير فيتساقط التراب منه، وقبل أن يقبل الأرض يعانق قطرات المطر.

ردان على “هوية”

  1. There’s always warmth in your words, and I related to this piece more than anything else i read by you.

    Good good day to you.

  2. Glad that you found warmth in it, or any emotion, and that you related to it. I think that’s what i seek when i write the most.
    Good good day to you too.

اترك رداً على Muhammad H. إلغاء الرد