• الرتابة

    أعرف الأيام ستأخذنا

    سويًا

    وتقودنا جمعًا نحو

    الرتابة

    وأعرف جمعنا سيحين

    حينه

    على أطلال أجدادنا

    نرثي السحابة

    وأعرف أشياء

    وأشياء أكثر

    وأبقى أنا المطل

    على الخرابة

    نعود ثم نعود

    ونبقى نحن

    على ما كنا

    في زمن الصحابة

    ويسألني ظلال الشعر

    حينًا

    هل كنت يومًا من أهل

    الغرابة؟

    حاولت الإجابة وما أستطعت

    لأن جدي قد عرف

    الإجابة

     

    يهيم الضبع في وضح النهار

    ويعوي الذئب في ليل الكآبة

    يعود غراب حطين

    مرة

    يبول الطير

    على أرض المهابة

    وأمضي بخطى مغلولة

    مثل جدي

    على صحرائنا-

    أرض الصلابة

    ويظهر من خلالي

    وثم حولي

    ظلال كل من عافوا الرتابة

    ظلال أبي وأخي وأمي

    ظلال أختي في أرض الرحابة

    تحتضنا الأرض ثم تولدنا

    كرسل،

    غابوا ثم عادوا

    في دعاء

    الإستجابة

  • وقفت في الريح

    أشم أنسامًا قديمة

    وقفت في الريح

    أجر أسراب القوافل

    وقفت في الريح

    ابتلع الصمت المحيط

    حينما يمر بي نسيم قارس

    يعبر في الريح

     

    الريح ينفتح كبابٍ

    يبكي صريرًا

    ويقرع في الصدى:

    “كيس رمل بصمت المتاريس قلبي”

    في الريح صمت غريب

    لا يعرب عن ما يريد

    فيبتلعه المدى

     

    يا ريح،

    هذا الصباح وتلك المشاهد

    ستكون يومًا أطلالًا يبكيها

    شاعرٌ غيري:

    “القلب مهجور كبئر جف فيها الماء”

    يا ريح،

    أعتقنا من فتوتك البليدة وقل

    ما لن يقال في الحروف

    كف عن التنقل في الضياع

    واصنع يدًا تقطف

    من الوجود ما تريد

    ثم اقتلعنا كأشجار الخريف

    وفي الضد انبتنا ربيعًا

  • (١)

    وخز في خصر الزمن

     

    طفل وحيد في الصباح

    يتعرق خوفًا ووجع

    على الباب يغرقه الصياح

    طفل من الكابوس يصحى

    كابوس مسائي كئيب

    من فوق الحائط يأتي الطغاة

    قط يقطع صمت المساء

    يتقلب من مواء لبكاء

    يرعب قلب الطفل

    فيرتجف ويشعر بالخواء

     

    (٢)

    جرح على روح الزمن

     

    حدقت في خمول النهار

    النهار مشع وشاحب

    متشعب هذا القلق

    صمت ضبابي طويل

    عمر يسابقه الحنين

    ماضٍ تصدع وانفلق

    في وحدة الزمن العضال

    وقفت مهدود البدن

    عمري تقدم واحترق

    يرتمي الجمع نحو الرتابة

    والنور تبدد وانسرق

     

    (٣)

    أرق على أوراق الزمن

     

    يا ليل تموز الأخير

    عجل علينا بالرحيل

    ها أنت مكسور الجناح

    قد كنت يومًا طائرًا

    يا آخر النغم الحزين

    كنت تصدح في الأفق

    والآن مهزوم هرِم…

    يا ليل أيلول الطويل

    عجل علينا بالنهاية

    أنا من سرقني الأرق

    يعود علي الخوف ذاته

    يغمرني تصبب العرق

    والطريق تلطخه الدماء…

    يا صوت يصدح كالطنين

    أعطني بعض التلاشي

    من أيادي الصمت أنتشلني

    وأرسمني على حفنة من ورق.

  • احتمال

    لربما ولدت قبل ميعاد وعيي بيومين

    ولربما عرفت معنى أن أكون قبيل ألا أكون

    ولربما حدثت أمور عديدة قبل موعدها المحدد

    ولربما اعتليت صدر السحاب وعرفت نفسي

    وعرفت أن الكون نافذة تطل مني إلي

    ولربما عرفت أن من يقسى يحن علي

    لأنني أتيت قبل أن كان لي أن أتي

    وكان حضوري مفاجأة للتخطيط المسبق للحياة

    ولربما باغت قدري وغدرت بالملعون لأنتصر

    ولربما كنت نجمة في آخر الليل يغلبها النعاس

    فتطل على جفن طفل صغير في المساء

    فيفرح ويخبر أمه ويشير لي

    وأنا أنير الكون إطلالًا وشروق

    ولربما عثرت عيون العابرين علي وعبروني

    ولربما كانت حياتي على الأرض امتدادًا للضد

    العتي الذي يخنق الوجود بخرافات العدم.

     

    لكنني كعادتي حضرت في موعدي،

    يومان بعد تخيلي ويومان قبل أن أعيش حقًا

    سحابة تجلب السحاب

    نجمة تنام على مرآة الكون…

    ولربما قدري يختبئ خجلًا خلف موتي

    فيطل من خلف العدم ويقول لي:

    أهلًا، يومان وأنا في انتظارك.

    واحسرتاه، كل هذا الموت فاتك.

    احتفلنا بالملوك وبالأساطير القديمة

    والديانات العديدة وبالبسطاء،

    وأنت حضرت متأخرًا يومين عن وعينا الجماعي

    فانتظر يومين آخرين لعل قافلة تمرك

    أو يعود الصيف للخواء فتجد الدفء في طياته…

    نم يا مسافر هاهنا

    فأهل الكهف ناموا في الحياة وتأخروا

    فانتبهوا بعد أن ماتوا في الواقع لا في الاستعارة

    ولم يجدوا ظلًا على حائط الكهف

    بل وجدوا الحضور هنا منعشًا للذاكرة

    فتذكروا أحلامهم في السبات العميق:

     

    طفل يغرقه النعاس

    وأمه تنثني فتلفه بغطاء من نجوم وسماء

    وفي الوقت المحدد مبكرًا،

    يشتم رائحة الرغيف

    فيصحو مجددًا على الوجه المقدس للصباح.

  • الترحال

    يطاردني أثر القوافل على طريق السفر

    ويلاحقني تأثير الفراشة على حياة المسافرين

    ومواطئ الأقدام على الرمال تحدق بي

    فيتردد صوت وقع الخطى في الصدى

    وأراهم يغوصون في السديم:

    رجال يجُرون ثقل الليل تجاه اتساع المدى

    نساء تمتطي النوق ويتأرجح الرَّكبُ على السراب

    أطفال يتراكضون في الأرجاء يحاولون

    -كما يملي عليهم أمل الطفولة-

    أن يسبقوا الشمس في الإشراق

    فتشرق شمس بعيدة على رؤوس القوم

    وهم راحلون يحملون الوطن فوق ظهور الجِمال

    ويعيدون تعريف الأراضي من جديد…

    حيثما رحلت ستجد وطنًا بين طيات الرمال

    وأينما هاجرت سيُخرج جناح جبريل الماء،

    فتتجدد ذكرى التغريبة الأبدية والوعد القديم:

    سنرحل يومًا في السعة الممتدة لما وراء الشمس

    سنسبقها إشراقًا ونغوص معًا في السديم

    ستصل القوافل موطنها وتبرك الإبل والأقوام

    وتلامس أجسادنا المرهقة فردوس السماء.

  • البصيرة

    أتخذ ملاذًا تحت جناحك
    وتغمرني الدنيا-كل الدنيا-
    بمصابيحٍ وأغانٍ وفراشات
    فأخلد للنوم تحت سراجك
    “هذا الضياء لنا جميعًا؟
    لكل الدنيا؟ لكل الناس؟”
    اسأل كطفلٍ بين يديك
    تغمرني عطفًا وحنانًا
    وتقبلني على جبين الطفل
    وتهمس بإذني:
    “هذا اسمك،
    خذه نورًا في كفيك.
    وهذه لغتك،
    خذها سحرًا كعصا موسى.
    سيأتي فرعون الطاغي
    ويهجم عليك السحرة
    بالأفاعي والأحجار،
    وستهجر أرضك
    لتلقى نارًا مباركةً
    وأرضًا مقدسةً
    وتخلع عند بابي نعليك.
    ستقاوم وتسقط.
    ستموت وتصحو.
    ستعرف صبر أيوب في ظلام الليل
    وشكوك إبراهيم ستبقى في خلدك
    وتعرف وجع عيسى
    ووحدة يونس.
    لكن محمد، سميت باسمه،
    فأتبع خطاه في مسعاك.
    أورثتك ظلامًا كان
    أم نورًا،
    سترى حقًا لو أردت
    حتى لو فقدت يومًا
    كلتا عينيك”.
    أبصرتك حقًا أبصرتك!
    أبصرت جوهرك الطاغي أبصرت!
    ظننت أن ظلام الليل حالك
    لكني عرفت بأن الأرض تغفو
    تحت مسامات ظلالك
    فقرب نارك بنيت البيت.
  • هذا طائر حر

    يرف جناحه

    يصفق الزرقة

    ويشق السماء

    ينظرني من بعيد

    ويأتيني بحلمٍ بدوي

    كدت أن انساه

    في خضم الحياة

    وفي تردد الجوزاء

    حين تتأجج الأرض بالحرائق

    وفي حقيقة أن سهيل

    حينما يظهر في السماء

    أراني وظلي مرتين

    ولا تؤتمن الحياة

    فالسيل قادم

    يحمل خلفه شمس

    منقعة بصفرة

    النار والأضواء

    تسبح بين غيوم

    تتقلب من رمادي كئيب

    إلى بيضاء تذكرني

    بحلمٍ إلهي قديم

    وتعيدني إلى حضن الإله

    وادعوا بتعبٍ تحت أنفاسي:

    “يالله…”

    فأسمع همسك في أذني:

    “سمعت الصوت يامن تنادي”

     

    هذا صباح واقف بباب

    يُطرق بأصابع سمر

    فيفز البدوي من فزع:

    “إله الخيمة الزرقاء،

    في الإتجاه شرقًا ضياع

    وفي الجنوب لا أجدك

    وفي الغرب غربة واِلتياع

    وفي الشمال لا ألمحك”

    فخطف بصره طير الصباح

    يلوح في أفق بعيد

    ويشدو في فضاء رحيب

    يقلب بجناحه حدود السماء

    فيكون لله أقرب.

  • مرة قال لي حارس الوجود: “إني أراك”. فهممت أجوب الديار على وجهي، قاصدًا ذاك المقال. لا أعرف لو كان صادقًا في قوله. هذه هي الدورة العاشرة-أو الثانية عشر-من الحياة. قالت لي عائشة ذات مرة، حينما كانت تعيش دورة الحياة كمتشردة في الشوارع أن غضبي يجب ألا يكون تجاه السماء. لم اسمع لها، نسيت كثيرًا مماقيل في تلك الليلة. الآن، أنا الماثل أمامكِ، أعيش في حِجر الوجود كما كنتي. في أي دورة حياة قيل لها أن الوجود مرآة؟ لم تجبني، فقد غفت في أقرب ظلال في الليل، تحجب نفسها عمن كان يمتص روحها طالبًا المساعدة. ذهبت ألوب البيوت، أجوب الصحاري. خًلقت يومًا طائرًا، فشققت الريح بأجنحة من ريش. اتأمل الآن تلك الحقيقة، كيف للريش أن يُخضع الرياح تحت سلطته؟ لكنني حقًا فعلت. كنت أجابه الريح وأقلع للسماء، لكن خسرت. مهما كان عدد الأجنحة التي تمتلكها، بوابة السماء ستكسرها جميعًا. عشت في تلك الحياة تحت ظل أمي، وخلف جناح أبي. كان أخي الصغير، من الحياة الأولى، تمساحًا، وحاول أكلي. لم أعرفه حينها فرفضت أن أموت لكي يعيش، فمات أخي الصغير جائعًا ليصل للحياة الأخرى سلطانًا طاغيًا. لم يعرفني هو في الحياة التي تليها. “كل الوجود ضياع” قال لي السجين الذي شاركته الزنزانة. كان شاهدًا على الخلق، وكنت أنا موحدًا. لم نتعارض كثيرًا، غير أنه كان يؤمن بحريته في شهادته للوجود، وأنا أطالبه بأن يضحي ويعود للوحدة. قابلته بعد عدة حيوات، عند باب حانة في ديار غريبة علينا كلينا، بعد خامس كأس تمتم “كل الوجود وجود” وضحك حتى تقيأ دمًا ومات. هكذا كانت حياته في تلك الحياة.

    أمي لم تعد لثلاث حيوات متتالية. لم أجدها عند باب بيتي كما كانت تفعل حينما كانت العاهرة التي أدفع لها مقابل أن تسمر معي في المساء. طلت من شباك سيارة عابرة وصاحت “يا ابن العاهرة!” في سادس حياة للسيارة. “كل الوجود سيارة” سمعت ذاك الصديق-نعم، هو صديقي الآن- ينادي من أرض المعركة في الجانب المقابل للحياة. فهمته في هذه المرة. كان بغرابة يتلبس جلد أخي الصغير، وكان أبي يقف حارسًا على كتفه، رأيته فعلًا، كملاك بأجنحة تقص الريح وتكسر أبواب السماء. تلك كانت المرة الأخيرة التي رأيت بها أبي. لابد أنه وجد أمًا أخرى، وأخًا آخر، وصديقًا وابنًا وصاحبًا ورفيقًا وحبيبًا وخليلًا ونديمًا، وكل شيء آخر يحتاجه المرء في دورة حياته.

    أبحلق في دوامة آلة الغسيل الآن. الزمن كان في السنة الثانية عشر ألف بعد الخمسين. الوقت كان في الحادية عشر مساءًا. المكان كان في مبنى يطل على صحراء فيها حصان واحد يجري من حدٍ إلى حد، من دون خلاص، لأن الماء كان في الغسالة ليغسل ملابسي. لا ماء في الصحراء. حدق الحصان في عيني، فعرفته. هذا أخي الأكبر الضائع قبل ألفية. أم أنه كان أبي يتربص في عجلات الوجود ليهدم شيئًا ثمينًا من مكانه فوق الغيوم؟

    لم أعرف كيف أفتح باب الغار ذات مرة، النبوءات كانت هناك. فمات أقوام وأقوام وأنا كنت السبب لأن في عقلي، حينما كنت غزالًا لم أعرف كيف يقوم الإنسان بأي شيء لكنني رأيت القفل ورأيت كيف يفتح ورأيت الفشل، فوثبت في مكاني، أعيني الغزالية يملؤها الفزع، وانقض علي النمر الذي يطاردني، وانعكس في عيني صورة الصقر الذي كان يسافر فوقنا في أعالي السماء ينتظر حصته. أعرف كلاهما، فلا بأس بموتي حينما يعيش من أحب.

    “إني أراك” همست لطفلي وهو يختبأ خلف باب غرفة أخته ونحن نلعب الغميضة. في تلك اللحظة، كنت سعيدًا، ابني كان يضحك، أخته كانت تختبئ في مكان ما، أمه كانت تصنع العشاء، الكل على مايرام، حتى رأيته. رأيته يتربص من تحت سرير طفلتي. كان يحمل خنجري حينما كنت في شوارع تلك المدينة العريقة. كنت بائعًا متجولًا حينها، أبيع المتعة والأمل، وكنت أصنع العروض حيثما ذهبت. البعض ظن أنني ساحر، لكن لم تكن تلك الحقيقة. كنت أعرف سر الوجود في تلك الحياة. كنت بارعًا بها. لم أصل بوابة السماء بعد، لكنني اخترقت الأرض حتى وصلت عالمها السفلي. كنت أعرف شيئًا من الغيب، وكان خادمي، جلابيل، يغار مني. أخرج الخنجر وطعن رقبتي لكنه مات هو. “الوجود عبث وسخرية!” قالها والدم يسيل من فمه. لم أمت في تلك الحياة، لكن تلك الطعنة قتلت وجودي الأول. وهاهو ينظرني بوجه موشحًا بالدم واللعاب. كان وجوده ظلالًا في هذه الحياة، وكنت أنا زوجًا ووالد طفلين. لكني أصبحت ظلالًا في وضمة. وهو أصبح زوجًا ووالد طفلين. “العالم السفلي ظالم وقبيح” صحت من تحت السرير، ولم يسمعني أحد.

    أنا شيطان صغير في خدمة شياطين النار، اسمي جلاد الرحمة، لأنني كنت ألسع الوجود في عقر داره لسعةً واحدة فيسقط، فلا أجلده بعد ذلك، مثلما تفعل الشياطين الأخرى.

    رأيت عائشة مرة أخرى، لم تكن هي هي، فلم تكن تجوب الشوارع ولم أكن ألوب الوجود. كانت رئيس حزب وكنت النائب. خرجنا للعشاء مرة، بشرتها كانت ناصعة في هذه الحياة، وبيننا كأس واحد من النبيذ، كل شخص يأخذ رشفة، لكن العطش كاد يقتلني فخلصت الكأس في جرعة واحدة. تفككت أمام ناظري، قطعة قطعة، وذهبت مع النسيم القادم من مرور الآخرين.

    عاد حارس الوجود في وجود آخر، وقف فوق رأسي يتمتم “وماذا تريد الآن ياسيدي الوالي؟” فلم أعطيه جوابًا. كانت جيوشي تقف أمامي تحجب الشمس عن مكان جلوسي. حركت يدي فمالت الشمس ذات اليمين وذات الشمال وأحرقت من تحتها. تمتم خادمي وهو يسقط “سيدي، الوجود رماد.” فهبت زوبعة نقلتنا نحو السماء.

    هاهو أخي الصغير غيمةً أخرى، وأنا غيمة. أمطرنا الأرض. صعقنا الأرض وبرقنا بحثًا عن أمنا. كانت أمنا شجرة، في أرضٍ جرداء، تمد الوجود بظلها وتحترق. أتينا فوقها وأمطرناها، ولا نعرف حتى هذا اليوم لو عرفت أننا كنا نرد الجميل.

    تذكرت حينما كنت أقود طائرتي في عمق السماء، في سنين عاد فيها الوجود لما كان، تذكرت في الوجود الأول، قبيل دورة الحياة بلحظات، أن الحارس على الوجود حينما قال لي “إني أراك” قد كان أعمى. صابني الخوف في أضعف نقاط جسدي، فسقطت أنا والذكرى معًا.

    “أيها الغريب، لا تبكي على الهجر، تعال معي” فأخذني من يدي ذاك القرين الدائم ودلني حيث وصلت الآن. همس في أذني “أيها الغريب، الوجود ظلام، فكيف لأي من كان أن يرى؟”

  • انتظار

    انتظركِ

    على الضفة الأخرى

    وامد يدًا تستقي يداكِ

    لنلامس الوجود معًا

    ونخوض في غياهب

    العدم معًا

    ونكون في حضور الغياب معًا

     

    انتظركِ

    وبيننا مساء مثقل بالبكاء

    قابعًا بالحزن

    مترعًا بالخواء

    وبيننا زمنٌ طويل

    بأوجاع شعوب

    وطبول حرب

    ووعي مقرحًا بالهراء

     

    انتظركِ

    على الضفة الأخرى

    حيث الصباح

    حيث يعود الضحى

    نقوم للصلاة

    ونغفر من همنا

    ومن ذنبنا

    فتسقط الأرجاء

    وابقى وحيدًا

    حزينًا

    مضاء

     

    انتظركِ

    في النور هنا

    وعطركِ يخترق هوائي

    وقلبي يحن لما كنا

    كنا قريبين

    وكان القرب لنا

    كانت المسافة قصيرة

    بين أنفاسكِ وبيني أنا

    والآن يأتيني سؤالي

    المكرر لاسأل من أنا؟

     

    أنا المنتظر.

    أنا الصبور في الضفة الأخرى.

    أنا المؤمن في دعائي:

    ستأتين يومًا لمكاني

    بين الوجود وبين العدم

    بين الله ووجه الصنم

    بين حبي وقبحي

    بين كياني وصيرورتي

    فيمتلئ الفراغ بيننا

    -بين الضفتين-

    بالحب والدفء،

    فننعم بالرضوان

    على وقع النغم.

  • ولادة

    ولدت، ولدت

    على وقع النعال

    من حولي

    تلتف الوجوه غريبة

    توشحها رمال الصحاري

    والغياب

    يبرق العرق على الجبين

    الخاشع من فوقي

    فأحاول أن ألمس الله

    في حجرها اغفو

    صغيرًا

    طفل الجزيرة

    ابن الرمال والسراب

    ابن الثقافات البصيرة

    من عمق رحم الموت

    خرجت

    رأيتهم يمضون على المدى

    الممتد

    على صراط اتساع

    الخليقة

     

    كبرت، كبرت

    أنا طفل المدينة

    أرقص حافيًا على القار

    هربًا من حر الرمال

    هائمًا في التيه داخلي

    ساريًا في نور المجرة

    ينطوي

    في المدينة من حولي

    وفي أضوائها الصفراء

     

    مضيت، مضيت

    في مدينة تغفو

    على أطراف أرض الجزيرة

    يلطخ وجه والدي السمار

    والبياض يوشح وجه والدتي

    ويتكلم الأصحاب والأقراب

    بألسنة تغايرني

    تبتعد الوقائع عن

    شبل الجزيرة

    يخمر الحب في معطفه

    ويحط في مضيه

    ليستكشف المعبر