• أعرف هذا الغرق

    غصت في البحر طويلًا

    وعمت فيه كثيرًا

    صعدت جبالًا

    تجرح حد السماء حدتها

    ونزلت للسهل

    لأنه سهل

    وطريق المهاجر شاق

    وأخذتني الرمال

    فعلمتني الاتزان

    وأخبرتني عن الصبر

    (من تحرقه الشمس

    أبد الدهر

    يتعلم أن الزجاج

    يحتاج عمرًا ليصقل)

    وعرفت المرايا

    حدقت فيها بعيني

    فرأيت عينيك إنكيدو

    لأبصر أن البشري بي

    قابل للانكسار/

    أسطوري كالرمال

    يصمد في وجه الطغيان

    الأبدي ويستسلم إن جاء

    العدم؛ هو الوجود

    إرث يتراكم كالرمال

    لا يستقر

    في رحلته للخلود

    يمضي ليكون شجرًا

    أو طيرًا أو جبالًا أو بحارًا

    ويعرف عراف الصبر

    أن العمر يعمر

    حجر على حجر

    يفسح لنفسه نافذة

    ليصقله حر الشمس

    ويسحره نور القمر

  • على أكتافي يتكدس

    الزمن واليأس

    توأم الأمل والسراب

    حظ البدوي المسافر

    يهيجن:

    ودنا بالطيب بس الزمن

    جحاد طيب

    لا يغش أحدًا؛

    يتوارى بظل الحائط

    ويستند عليه من عيب

    هذا العالم العائد

    لنا ومن ترحالنا انبنى

    وينزوي عن انزلاق الزمن

    الوحشي؛ أنت يا–

    أنت يا–

    لا تنطق لتخلق

    لا أكتب الشعر عنك…

    كيف أسقطك؟

    حملتك على أكتافي

    حتى انكسر ظهري

    وظاهري انفلق

    صرخة في وجه العيب والعدم

    شهادة على تصدع الزمن

    ومناجاة لصمت الصنم

    يا آخر من خرج

    من لجة البيد

    لتسترك حوائط المدينة:

    أخبئك بقلبي

    من عواقب هذا الزمن

    أحملك معي

    وأنا أرحل في هذا العالم

    طولًا وعرضًا

    أنادي وأنا أعبر هذه الدنيا:

    أما مثلك بدو كثر

    أنت يا من–

    رغم دم السواد والمقت–

    أبحث عنك في أعين الخلق

    أنت يا من ورثتك

    صورة مثلى

    أنت يا حائطي الأول

    أنت يا من من الحب

    عددتك أنقى ما خلق

  • للبداية الأولى أغني

    وفي أولى البدايات أغيب:

    باسمك الواحد الأحد

    لا غيرك ما هو غيرك

    ولا غيرك أحد

    هذا الجرح عميق

    هذا الحمل حمل

    أعوام عوم

    هذا الجلد لك ولي

    ولي ولك هذا الجسد

    ولنا الأنفاس التي تثور

    في الفراغ وتجوف

    صدر كل أحد

    للبداية التي كانت لنا

    معًا:

    في الخطوة الأولى

    في أول حرف نطق

    في أولى الأنفاس

    في بداية عمر

    هذه الرحلة الطويلة

    كانت المسافة–

    لطالما قصيرة–

    كحد السكين

    بين أن أكون عدمًا

    أو أكون واحدًا

    من عدد

    كل البدايات لك؛

    يا أول إرث حملته

    ويا من

    حدق في وجه العدم

    ثم صمد

  • ظلي على الفجوة

    قلبي إلى الأحباب

    يتوق

    ويعشق الخلوة

    أضم أحبابي إلى قلبي

    أحضنهم: اقتربوا

    أناشدهم: تعالوا

    فنحن شهداء الأرض جميعًا

    لا تقتلوا ظلي

    فهو حائط صمتي الأخير.

    لا تُضِل قلبي

    فهو جسر عبوري للمصير.

  • وأين الحب

    قولي ساعدينا

    تعبنا من غياب

    الحب عنا

    سئمنا من فناء

    الحب فينا

    وهذا العيش

    كل العيش

    لحظة

    سنعرف بعدها

    لو ما نسينا

    بأن الحب كان

    معنا

    وضعنا

    فكم درب سلكنا

    في خطانا

    وكم درب

    أغفلنا أو تركنا

    وكم في ليالي

    الشوق قلنا

    ونحن على

    دروب الخاطئين

    أين الحب

    أين الحب

    قولي:

    فربما يكفينا الكلام

    وربما بقولكِ تسعدينا

  • العلة؟

    إنه الهدوء

    هذا الصمت

    الذي

    يغرز جوارحه

    في أضلعي

    إنها الثواني

    هذا الوقت

    الذي يتداعى

    في انسيابه

    وأنا الرهينة

    إنه الزمن

    زمن عضال

    فيه يغترب

    الشعور

    عن المكان

    إنه المكان

    ضحية أقدار

    كثيرة

    حتى تغرب

    عن نفسه

    وصار قفر

    لكنه الإنسان

    وريث القدر

    وطفل الوعي

    حبيس فكره

    في وقت الصمت

  • ولماذا تصنع مني دمعة؟

    لماذا تجبرني الحياة

    أن أكون هنا

    والبصيرة تلهث

    في صحراء الثكل؟

    لماذا تبعدني عن الحلم

    القريب-

    يؤلمني قرب الحلم

    وضيق الطريق

    والصمت العتيق…

    لو كنت دمعًا من مطر

    لو كنت أنتِ يا بحيرة

    لما جلست

    إلى جواركِ

    أرمي دموعي في يديكِ

    كما يرمى الحجر

    لو أن دموعي حجر

    لما حملت وجهي

    بعيون أثقلها الدهر

    لفهمت أنه الزمن

    زمان تتحجر فيه الدموع

    وتنكريني يا بحيرة

    لو كنت بحرًا يا بحيرة

    لو أن جسدي عيون

    أو دموع

    لكنا معًا

    ننحت بالماء الحجر

    لتتسع المسافة

    ونحتضن البصيرة

    ويتجلى طريق السفر

  • عرفتك في شعرك

    طائرًا أعزلًا حرًا

    لا تكسره الحياة

    تخط ما خطه الأسلاف بالسيف

    بالكتابة

    رأيتك في وجهك

    أثرًا وتذكارًا قديمًا

    يحمل عمق الحياة

    تغني ما لعب الأسلاف يومًا

    بالربابة

    يا طائر الشمال

    يبكيك الحماد

    تفقدك صحراء الألم

    تنوح حقول البكاء

    يحزنك البدو الرحل-

    لكنها روحك

    روح البدوي

    ما دامت معنا

    فسنبقى كما أنت

    دومًا أحرار

    في البيداء

  • لو كنت أقدر

    لو كان لي أن أستطيع

    لما خرجت من البلاد

    من دون نايي

    ولا تركتكِ

    ترحلين

    من دوني أنا

    لكن عذري واضح

    قدري الرحيل

    وورثت قدري

    لو كان للأقدار

    نافذة صغيرة

    فلست أطمع

    بباب-

    نافذة صغيرة

    لا تطل على الخراب

    وعمر لا يجاري

    وقع الثواني

    وسعة لا آخر لها

    أبعد ما نكون عن الغياب

    ونهر يكون منا وفينا

    وأنتِ-

    والبقية؟

    لا يهم.

    دع الكل ينهدم لاهثًا

    على أرض اليباب.

  • يحرك أبي يديه النحيلة السمراء حين يتكلم، حركات رشيقة وخفيفة، كأنها يدي راقص فلامنكو أو العندليب وهو ينتشي طرب فلا يكفي الصوت والعبارة ليعبرا عن عمق وأبعاد الشعور فتبحر يداه على موج الموسيقى في الريح، وكأنها يدي رسام أو عازف تتحرك محاولة أن تسلب الوعي البشري إلى حد أبعد من ضيق اللغة، وكأنه هو نفسه البدوي الأسمر النحيل يجلس في البيد يقطع صمته بالكلام ورتمه الممل بالحديث ويحرك يديه كأنه ما زال يحاول أن يطلي سماءه الواسعة واتساعه السماوي، حركة صقلت تفاصيل يديه في ذهني لأن تحركها يخطف الحس حين يجاريك الحديث، كأنه ساحر، كأنها يدي ناقش للأحرف العربية أو يدي فنان يرسم الأحرف اليابانية، كأنها يدي مقاتل كونق فو أو محارب ساموراي يقص الهواء بسيفه، وكأنها يدي راقص في فيلم بوليوودي، وكأنها يدي حكاء أفريقي، هي أيادٍ حركتها سريعة رشيقة تجاري وقع الحديث تذهب في اتجاهات مختلفة، تنكمش وتنطوي وتنفتح وتبتعد وتقترب، ترسم خطوطًا وأشكالًا مختلفة وبالفطرة، في كل لحظة، ترسي في موضعها وتتجسد في شكلها المتناسق مع الحديث، فتأطره ليثبت معناه ويصيب وقعه، إنها أيادٍ معبرة؛

    والآن، بعد ثلاثين عامًا في هذه الدنيا لاحظت، ها هي تلبس معنًا جديدًا مختلفًا وتشكل تعبيرًا آخرًا، في كل مرة أنظر ليدي السمراء أرى يديه وأراه. وفي هذه اللحظة، أحس بالحظ لأني أعرف (ومن مثل البدوي يعرف؟)، فلا موطن للغربة ولا غربة في الموطن الدائم، أينما رحلت وحللت أحمل كل أسلافي وأحبابي في يدي.