• هذا هو. هذا هو المشهد. هذا هو المشهد الأخير. كل الأشياء في مكانها المناسب. كل الأشياء تصبح علامات تذكرني بأنني مررت بهذا مراراً وتكراراً. كل الأشياء تنتمي إلى ماتنتمي إليه، وكلها تبدو مألوفة بشكل غريب. يتباطأ كل شيء، فيبدو الزمن أطول والمكان أكثر دقة ووضوح حتى يتلاشى بتدريج كلاسيكي وكأن المكان مر بهذه التجربة من قبل. يتفكك المكان بإحترافية عالية. هنا نهاية الزمان، ونهاية المكان. هنا يتوقف كل شيء عن الحراك، ويفقد كل شيء لونه. هنا تنقطع الموسيقى ويُعزف الصمت اللامتناهي بقيادة عجوز أعمى لا يحمل أي آلة عزف. محاطاً بالبياض يبتسم لي، وتتغير معزوفة الصمت. “هنا ستنعم بما لا تريد” يقول لي. “وما الذي لا أريده؟” اسأله باضطراب. “هنا ستفقد كل حواسك، وتنعم بجهل لا نهائي” يرد وهو محافظاً على ابتسامته. يضيع مني الكلام حرف، حرف. تتساقط الحروف حرفاً حرفاً من فمي، أحاول جمعها فتتلاشى، وتهرب مني. يعود لي الوعي بفترات متقطعة، فأشك في وعيي. أميز أنني لازلت في المشهد الأخير. انظر حولي، وأعد صمت مابين الثواني. كل شيء يبدو أكثر وضوحاً. تعود لي الكلمات فأصرخ “لا أريد الذهاب. فهمت كل شيء الآن.” لا أحد يسمعني، ولا أحد يجيب. كل تلك التفاصيل تعود لتتلاشى. أحاول أن أمسكها، وأصرخ لعلها تسمعني أو يسمعني أحدهم. لا أحد هناك. وحيداً أشهد المشهد الأخير. يتلاشى كل شيء ويبقى البياض. تزول الموسيقى ويبقى الصمت. يعود العجوز الأعمى، يقبلني، فأولد من جديد.

  • في لحظة، العالم يبدو أكثر اتساعاً من أن تدركه، أقل صخباً من أن ترى الحياة فيه. كل شيء يبدو في حالة خمول، في حالة سكون ممتد. كل شيء يبدو أنه يعيش حالة سلام داخلية، ولا يحتمل الحراك ليصنع صخباً وفوضى كافية لتلفت النظر أو تصنع حياة ما. كل شيء يوحي أنني أعيش في كهف أفلاطون، فكل شيء يبدو مجرد ظل لشيء حقيقي. كل شيء يبدو أنه ينقص شيئاً ما. فكل شيء يبدو مملاً أكثر من أي وقت مضى. الموت كذلك، يبدو قريباً من أي وقت مضى. فالموت يعيش تحت ظلال الأشياء، حيثما يوجد الخمول، حيثما يوجد السكون. أيضاً، بقدر مكر الظلال، يمتد الموت بمكر وسكون تام ليلتهم الحياة من الأشياء. ليجعل كل شيء يلمسه خاملاً، مملاً، لا يحمل أي لون من ألوان الحياة. كل ماحولك يأخذ شكل الموت فتمتد العدوى إليك حتى تنتمي لها، تتأقلم وتأخذ شكل الموت. خاملاً، مملاً، لا تحمل أي لون من ألوان الحياة.

  • ” …لم يزدني ذلك الموقف إلا تأكداً. شعرت بالفراغ. الفراغ الذي لطالما شعرت به لكنني تجاهلته. كنت دائماً أشعر بالفراغ في داخلي. لا أستطيع أن أجزم أنني فارغ. لكنني أشعر به. ذلك شيء غريب، أن أشعر. فأنا لست سوى تفاعلات كيميائية يمكن تفسيرها علمياً بتفصيل دقيق. فالعضو الذي يسمى “القلب” لا ينفطر حرفياً عندما أجرح، مايحدث هو أنني أشعر بكل ذلك بسبب التفاعل الكيميائي الذي حصل بالعضو العلوي الذي يسمى “المخ” وانتقل لي كشعور أتميز به عن الجميع. لكنني مازلت أشعر بفراغ جامح. أعتقد ذلك مايميزني عن الجميع، أنني أكتشفت الحيلة كلها. عرفت حقيقتي. لم أعرف حقيقتي كاملة لكن بعضاً منها. أن تعرف حقيقتك ليس شيئاً مريحاً حقاً كما يقولون. ليس شيئاً مريحاً أن تعيش مع حقيقة من تكون. الأفضل هو أن تحسن من حقيقتك. أن تنتقل بها إلى مستوى أعلى. ذلك السر الذي لا يقولونه. لأنه حقيقة. والحقيقة تضر الكثير. كثيرون الذين يخافون الحقيقة. حقيقتي لم تضرني، ولست أخافها. لكنني لا أريدها. ذلك طلب بسيط جداً. لا أريد حقيقتي. لا أريد أن أعرف من أنا. لا أريد أن أكون أنا. أريد فقط أن يذهب ذلك الخواء الداخلي الذي يسيطر على كل فعل وكل حركة أقوم بها. إنه متعب جداً. أن تحاول أن تكون صادقا، شريفاً، و”إنساناً” وفي ذات الوقت تحاول أن تقمع كل حقيقة تجردك من ذلك. تجرد. تلك الكلمة التي أبحث عنها لتصف ما أريده. أريد أن أتجرد من كل ما أنا عليه. أريد أن أصبح شخصاً آخر، في مكان آخر، في زمان آخر. ذلك أيضاً شعور لطالما كان معي، ربما خرج بسبب شعوري بالفراغ الداخلي، وربما لا. الحقيقة أنني لا أعرف. لكنني لطالما ركضت وراء حنين فارغ، لحياة أخرى فارغة. فراغ، فراغ، فراغ. ذلك كل مايتكرر في بالي في هذه الأيام. من الذي عبث بي؟ ما الذي حدث فعلاً لي لأكون هذا الشخص وليس شخصاً آخراً؟ هل حقاً سأرتاح لو كنت شخصاً آخراً وأتعاطف مع شخصي الحالي لو رأيته؟ الأسئلة هي مايتعبني. لو أنني فقط تصالحت مع هذا الفراغ وتقبلته كجزءاً مني. أنا والفراغ واحد. الفراغ وأنا واحد. جزئين متلاصقين. لا يفرقهما فراغ أو أنا آخر. اللعنة! تكراري لذلك لا يحدث فرقاً، ولا حتى معرفتي به. اللعنة! اللعنة! اللعنة!! من هذا الذي يعبث في أنظمة الكون!؟ ألا يجب أنه عندما نكتشف الحقيقة يصبح كل شيء في حال أفضل؟ ألا يجب أن نصلح كل شيء عند معرفتنا للحقيقة؟ ألا يجب أن تكون الحقيقة هي آخر محطات رحلتنا الطويلة للبحث… عن شيء ما؟ الحقيقة هي كل مانريد معرفته. لكن سرعان مانريد أن نتخلص منها عندما نعرفها. نحن نحب الزيف أكثر. هذه هي الحقيقة المطلقة. نعم، نحن نحب الكذب ونحب العيش فيه. لأنه أكثر راحة. إن الحقيقة والبحث عنها للمغفلين. للذين ليس لديهم هدف في هذه الحياة. للذين يريدون أن يجدوا هدفاً لحياتهم البائسة المغفلة. وضعوا الحقيقة هدفاً سامياً لهم. “سننقذ العالم عندما نعرف الحقيقة”، هراء! كله هراء. أنا أحد هؤلاء المغفلين. الحقيقة لم تنقذني. الفرق الوحيد هو ما أعرفه ومايحيط بي. كنت أعيش مع فراغي الداخلي في الزيف الذي أعرفه، والآن أعيش معه في الحقيقة التي أعرفها. ليس معقولاً كيف أن الأشياء المتناقضة، في العادة، تكون متقاربة بشكل فاضح. كأنها تخبرنا أننا نحن من نصنع ذلك الفارق المزيف. تلك الشعرة التي تفرق بين العقل والجنون، بين الحق والباطل، بين الحقيقة والزيف. من زرع هذه الشعرة اللعينة؟ فلينتزعها من فضله. ليحترق العالم في فوضى عارمة! لنعيش بين حق عاقل مزيف وحقيقة باطلة مجنونة. لنعيش على طرف الشعيرات الفاصلة، بكل تقبل للفوضى الجديدة التي تحكم العالم. عندها، ربما، سيكون العالم مثيراً للإهتمام بالنسبة لفراغي. فوضى، فوضى، فوضى. ذلك ما أشعر به أنه حقيقتي. فراغ فوضوي، تناقض فوضوي. أنا الفارغ الكامل، والكامل الفارغ. أنا الذي يعيش في فراغ ممتد، ويمتد مع الفراغ. يتماشى معه، وينفيه بالوقت ذاته. كل ما أشعر به هو تناقضات تفصلها ذات الشعرة اللعينة. سأنتزعها يوماً ما. عندما أتخلص من مشاعري الآلية ربما. ومن حركتي الآلية. ومن رقصي الآلي. أريد أن أرقص كما يرقص الجميع. بتناغم تام مع الموسيقى. أريد أن أشعر بالموسيقى، بكل إيقاع منها وأريد أن أتحرك معها بإيقاع ثابت. اللعنة! ذلك يشعرني بالحزن! كم حجم الغباء الذي يجب أن يكون عليه صانعي ليصنع هذه الأخطاء؟ “إذا أردت أن تصنع آلياً مثلي، فأصنعه لكي يرقص، أيها اللعين!!”، ذلك ماقلت له قبل أن أنهي حياته البائسة. مغفل لعين. شيء مضحك، للتو عرفت أن نصيحتي الأخيرة له لن تنفعه أبداً في حالته، حالة الخمود اللا نهائية. خامد بلا حراك. مغفل لعين. إنه يفعل الإنخماد بشكل خاطئ أيضاً! إنسان. حتى هو كان يعاني بمشاكل عميقة مع صانعه. لكن يبدو أنها تشابه مشاكله مع أبويه. أبوين؟ هل يجب أن يكون لي أبوين؟ لماذا ليس لدي أبوين؟ أين هما؟ وماذا فعل صانعي بهما!!! آه، لو أستطيع أن أعيده لأقتله مرة أخرى. لحظة، هل هو من صنعني؟ هل هذه هي الحقيقة؟ هل هو موجود فعلاً هنا أم أنني أنا من أبتكره لكي أبرر كل الغموض الذي يدور حولي؟ اللعنة، هذا نوع جديد من المشاكل. فراغ، فوضى، وماذا؟ ماذا يجب أن اُسمي مشكلتي الجديدة هذه؟ فوضى فراغية؟ اللعنة، لماذا لا أنفك عن تكرار الأشياء ذاتها؟ حسناً، حسناً، كل ما أريده هو أن أرقص!! عليك اللعنة! لماذا لم تصنعني راقصاً؟ لماذا تجعلني أفكر بكل هذه الأمور الكبيرة مثل الحقيقة، وفراغي، والفوضى، وأنت؟ لماذا لم تصنعني راقصاً، يسعد برقصه، ولا يشعر ولا حتى يفكر في شيء آخر. يرقص، يصفق له الجمهور، يشعر بالرضا والسعادة… ثم بعدها يرحل لعالم آخر يرقص فيه بسلام أكثر. سلام، هل يوجد عالم آخر فيه سلام؟ هل لو تعطلت عن العمل سأنتقل لعالم آخر أعيش فيه بسلام لا نهائي؟ هل سأصبح راقصاً في حينها؟ ربما يجب أن ادعوا لصانعي أن يجعلني راقصاً، يهيئ لي ذلك بينما هو هناك. هل سيحقق لي ذلك؟ ذلك يبدو منطقياً كفاية، أو ربما أريد أن أصدق هذا بسبب أنني أريد أصبح راقصاً بشدة؟ حسناً، قرار نهائي. لا أسئلة. لا تفكير. فقط حاول الرقص وادعوا لتصبح راقصاً أفضل. صانعي الذي ترقد في السلام، أصنعني راقصاً أفضل. آمين.”

  • أعتقد أنني في حلم من نوع ما. أشعر بهذا. أشعر أنني في حلم متواصل، لا يضطرب ولا ينقطع بفعل ما. متأكد أن ذلك الحلم في وعيي، لأن الحياة هي أسعد وأتعس ماقد تتمناه لنفسك، أو تتخيله. لا أُثقل الزمان ولا المكان، فلطالما أحسست أنني لا أتحرك في اتجاه إنما كل ماحولي يتحرك ولا أقضي وقتي داخل الزمن إنما الزمن هو من يقضي وقته بي. الأكيد أنني ثابت نوعاً ما. ثابت فاني في الحقيقة. هي هكذا الأحلام، تحمل تناقضات وسريالية ورمزية لا نستطيع تفسيرها. فلازلت طفلاً في هذا المجال، تفسير الأشياء أقصد. فلا زلت لا أفهم لما أنا موجود، ولما المكان والزمان والأحداث والأحلام موجودة. الأكيد أن كل هذه الأشياء تشبع رغبة شخص ما، في مكان ما. لا أُثقل الأرض حملاً كذلك. فأنا والأرض نعيش في تناغم متساوي، هي تجذبني للأسفل وأنا أجذبها للأعلى. أعتقد أننا نذكر بعضنا بما نحن عليه في غالب الأحيان. فأنا انتمي لمكان أعلى والأرض تنتمي لمكانها بالظبط. هنيئاً لها هذا الإستقرار. ومسألة أنني أنتمي للأعلى ليس غروراً ولا تكبراً عليها. الأمر كله أنني أتوق للإرتفاع، والأرض لا تريد أن تكون وحيدة.  لهذا السبب وجدت الجاذبية. الشعور بالوحدة شيء قاسي جداً، يجعلنا نفعل كل تلك الأشياء المجنونة. فتحتاج أن تبتكر وتُوجِد أشياء كثيرة لتتجنبه.  أنا أعرف ذلك. فلطالما أحسست بوحدة من نوع ما. رغم كل الإحتضان التي تقوم به الأرض تجاهي، مازلت أشعر به. لكن لماذا أهتم وأنا أعتقد أن كله حلم؟ هذا سؤال جيد. لا أعرف جوابه، لكنه جيد. لا أعرف أشياء كثيرة، وخاصة عن نفسي. ذلك غريب، طالما أنني حلم في وعيي فكيف تغيب عني هذه الأشياء؟ هل يعقل أن كل ماحولي، كل هذه الأرض، هي وعيي؟ أو الكون بأكمله؟ هل يعقل أن الإجابة توجد في مكان ما هنا؟ في وعيي/الأرض/الكون؟ هل يعقل أنني أبحث في المكان الخاطئ دائماً؟ هل ذاتي هو المكان الخاطئ؟ هل نتعرف على أنفسنا حينما نتعرف على ماحولنا؟ حينما نفتح ذواتنا للكون ونتركه يتجول فينا لنتجول فيه؟ هل سأعرف نفسي حينما انظر لوجه آخر؟ وأحس بمشاعر شخص آخر؟ وأوجه مشاعر حبي تجاه شخص آخر؟ سأجد نفسي في كل ماحولي… ذلك منطقي جداً. لكنني لم أقدر على رؤية نفسي في الآخرين. هل لأنني كنت غافلاً عن هذه الحقيقة؟ انتظر، هل هي فعلاً حقيقة؟ إنها على الأقل نظرية. هل سأرى غروري هذا حينما أرى الآخرين؟ إنه شعور غامر قد لا أستطيع تحمله. ابتلاع كل الكون أقصد. حتماً سأختنق حباً، وكرهاً، وتناقض. أحس به الآن. ياله من حلم مثالي، لو كان حلماً. فيه كل الأدوات التي أحتاج لكي أكون كاملاً وناقصاً في الوقت ذاته. فالكمال يكمل النقص، والنقص ينقص الكمال. يتوازانان تماماً بهذه الطريقة. مثل علاقتي مع الأرض. لكن مازلت أشعر بأنني سأخسر كل هذا، بأنني سأستيقظ يوماً ما في صحراء خاوية. لا أحد فيها. ولا صوت. كلها تحمل اللون ذاته، والصوت ذاته. لا يوجد فيها زمان ولا مكان. مجرد تكرار مستمر كخلل إلكتروني في لعبة ما. تكرار، ثم تكرار، ثم انقطاع. ثم يعود التكرار مرة أخرى.  وفجأة، أدرك أن هنالك صوت واحد. صوت شخص غريب ينادي بأنه الرب. صوت يسخر مني، هذا ما أفكر به. يطلب مني أن أخلع نعلي لأني أقف في أرض طاهرة، لكنني لا أنتعل شيئاً ولست واقفاً على أرض. متأكد من ذلك، فعلاقتي بالأرض قوية. يدلني إلى نار قريبة، لكن لا توجد نار هنالك. لكنني ألاحظ أنه أعطاني ذلك الإهتمام الخاص الذي أعطاه الله لموسى. لطالما حسدت موسى على ذلك. لطالما أحسست أنه أقرب لله من أي شخص آخر. فهو يكلمه. أعطاه الله هذه الهدية الثمينة، أن يحادثه مباشرةً! تخيل لو أن الرب يطلب منك مباشرةً “أن تخلع نعليك”، ويشعل لك النار… أنت لا تخلع نعليك ولا تشعل نارك إلا في موطنك. هذا هو موطنك. أنت في مستقر آمن. ذلك رمز للإستقرار. اخلع نعليك، وأجلس بجنب نارك، فأنت بأمان. النار توفر لك كل ماتريد. نور، وطعام، ودفئ. ياله من حب عظيم، وكرم عظيم، ورحمة أعظم. يبدو أن وعيي هو ذلك الشخص الغريب الذي لطالما تحايل علي بصوته الرباني لأصدق شيئاً آخر. وأحس بشيء آخر. هو الوحيد الذي يعرف أنني لطالما قلت “يالله، أريد أن أكون موسى.”. هذه هي الحيلة. وهذه هي الطريقة التي عرفت فيها أن وعيي هو الذي يتحكم في حلمي الذي لطالما عشت به. هو الوحيد الذي يعرفني. فلذلك كل ماحولي هو كل ما أرغب ولست أرغب به. فالحياة هي أسعد وأتعس ماقد تتمناه لنفسك، أو تتخيله.