يمضي السراب كطي ومضات الحنين. وأقف معروق الجبين، مدهوشًا. يمتد نسج الطريق من أمامي ومن خلفي أطياف الحلم. أقف عاريًا من كل ما لدي. الركب من خلفي يحفر آثاره رجفًا ليلحق بي. استيقظ واجري معه. دائمًا اسبق الخطوة واستبق السراب. المح من كان خلفي، ولا أجد الأحباب. جمعًا يمروا من خلال أطياف الحلم عبر الهواء بخفة. سواد يطوي الركب خلفي ويلامس اثري. يمحو وجودي من اللاوجود، وأعود عابرًا فقد السبيل. اجري بلا اتجاه، ولا أجده. وأدعو ملء قلب الحب “أمطرنا سحابةً تجري من خلال الحلم واغسلنا صغارًا.” لكن أغيب، واظهر أمام الركب اجري، ملء حملي. يقترب الركب ويمد أياديه الخفية بهالة سوداء. انفخ نوري وانطفئ. ابصق سوادي ويلتصق على كتفي. أحاول أن أتجرد مني واخفق. أحاول أن امسك قلبي ألا يسقط ويدهسه الركب والمارة. امسكه وينساب دماءًا من بين أصابعي عبقًا يجوب الحارة. فينتشي الجمع الغفير ويستكن. وينطوي بين الأزقة، وعلى المراكب والسراب. وينظر لي لاهثًا، لساني يلعق باطن الأرض. الركب لا يمل ولا يكل. يمضي كالسراب أمامي. يحاول أن يغمرني، ولربما بصدق نية. لكن هذا الحلم قد مر ذات مرة. واستوطن بلدي العميق ونام. غافيًا بين اللبيب والأنام. يعطيني إشارة، وأتجاهل التحذير. يقهقه باسمي بدوائر دوارة. لكنني هنا، اجري بكامل قوتي. الركب خلفي يحاول اللحاق ويفقدني. لو توقفت للحظة، سأجد السكينة. سينتهي كل ذاك الحلم. وينبثق عبورًا للمواد، ويرجع للسواد طيفًا مخادع. سيعود كما كان زمنًا لا يعرف الزمن. ومكانًا خاملًا لا يعرف الحركة. صوتًا لا يعرف الضجيج، ولا ضحكة الأطفال تخرق الأجواء من بين الجموع وتصدح باتجاه الكون ترسم ألوان الطيف راقصةً مع موسيقى الحالمين وكل أولئك المغفلين يحلمون بالحب. للحظة، أعرف الحب. هاربًا من ظلام الحلم باتجاه ذاتي. اسقط في أحضاني. يحاول الركب الدخول لكن لا سبيل. هنا أمان النفس في مرسى النفس. هنا المحبة صورًا وأغاني. حنينًا وأماني. وعرشك الممتد، يمتد نورًا للسماء وللجنان. أنت الأمان، وأنا الأمان. الحلم يعبر من مسائاتي ويوقظني معروق الجبين. لساني يمتد أمامي لهثًا للحنين. عطشًا استقي مكاني، وبعض الذكريات. أشيائي الجميلة والأغنيات. وأعود ذاتي. للحظة، افقد الحب. وأعود جريًا من أمام الركب صارخًا طريقي باتجاه السراب. ذات الحلم يعود. ولا يسود إلا السواد. أنا الأمان. وأنت شيء آخر. أقف مبتسمًا حزين. والمح الركب يركض من ورائي، لاهثًا نحو السراب. أغمض عيناي المتعبتان. ينتشلني شيء ما، ونمضي للغياب.
-
الصمت يحوي المكان وينطوي عبق الزمان وينثني كلانا. الأنفاس لا تُسمع ونستمع لحضرة الحركة. أصوات ضئيلة ورضى. قد خيل لي أني أراك في منامي والثرى يسجد عند حضرتك. حلمي البعيد، وخيالي صورةٌ مجسدة. حنين يتجسد ويبتعد، ويبقى العبق عالقًا عند بابي. حلمي البعيد، وحياة لم تُعش. تبحر في مخيلتي شعرًا وقصائد، وتبقى كما أنت. حلمي البعيد، وتعبُ سنين. إني أراك في خيالي حلمًا وخيالات. صورة تبقى على جسد الفضاء. حلمي البعيد، وخيال يتجسد على لوحة الواقع. إني تعبت من يداي، ممتدةٌ لتلمس طرف الإله. استفرغ ثمر الزقوم، لكنني لا أعود للجنة. أكل الثمرة الطيبة وابقى على دنياي، روتينية المنشأ. حلمي البعيد، وزوجًا طيبًا. أنفاس تعيدني لحياة العاشقين. يلفظون أنفاسهم مقاومةً للواقع. يبقون سائرين على صراط الحب. ذاك الصراط المستقيم. قد خيل لي أني أراك وأقف مكتوف اليدين. اترك الحياة تنساب من خلالي كنهر يحمل سفينة ورقية على جدوله. خذني إلى الخيال، عبدًا للخيال. خذني على ذاك الصراط وقدني في سباتي. قد خيل لي أني أرى فيك نور، ومرآة الحياة. تنوير وإشراق. أحملك برفق ألا تنكسر. انعكاس أشيائي وكل مالدي. حلمي البعيد، وصراط الحب. حلمي البعيد، وبصيص نور لا ينطفئ. قد خيل لي أني سقطت عن الصراط وانكسرت. مرآتي معي لكنني أرى وجهي البليد ينظر الأفق. انظر من بعيد وارتجي. حلمي البعيد، وملء الأمل. شوق يتوق ولا يعود. يبكي بوجدٍ ويستقي حنينًا لا ينقطع. حلمي البعيد، وانعكاس الجِنان. قد خيل لي أني أرى وجنتيك. متجردًا من حملي، نائمًا في ساعديك. ارتجي عبثًا صراطك. حلمي البعيد، واستقام حياتي. عمدًا يطوف كياني في مقلتيك. أراني فيك، خيالًا وكذبة. وأحبني لحظة نور. أحبني لحظة. توهجًا وإشراقًا وإحتفالًا بالحياة. عبقًا يطفو كطيف حضورك. يداي ترتجف وتمسكها وتعود لي. قد خيل لي أني أراك حلمًا وخيال، فلا انام. أخاف ضياعك. أخاف دفء لهيب النار عابرًا ذاك الصراط. حلمي البعيد، وعادة مقيتة. تكرار نوري وانعكاس كياني. حلمي البعيد، وإخفاقُ زماني. قهرًا سريت في الليالي، أطرق الأبواب. أُعلِم كل بابٍ كي لا أعود. لكنني أعود. أحمل أملًا طفوليًا، لا ينتمي لزماني. أجد ذات الخيار، واعيش حيرة. حلمي البعيد، وإفتقاد الثواني. قد خيل لي، لكنني ابقى. ابقى على ميعادنا. أطرق الأبواب. أحلم بالبعيد، لكنني ابقى. ابقى على ميثاقنا، استقي الأحباب. حلمي البعيد، قد خيل لي أني بقيت. وأنت هنالك جانبي، تُقبل الأحباب ونطرق الأبواب ونبحث عما بداخلنا معًا. ونبحر كأطياف السراب، نشك في وجودنا. لكننا لا نكترث. لا ننقطع. ونبقى بحلمٍ بعيد. حيث الصمت يحوي المكان وينطوي عبق الزمان وينثني كلانا.
-
نجمع الضياء من على الحائط وحطب النهار المشع ونزحف باتجاه الخلق جمعًا. ونعود جمعًا. ونموت جمعًا. ونحيا بالخليقة جمعًا. نقود النفس من خلال النفوس ونغوص باليقظة جمعًا. نضع أيدينا على خاصرة الوجود ونرقص جمعًا. نرفع خِمرها ونقبل مائها المتموج من مبسم ثغرها ونعيد خِمرها الساتر. قودينا ضياءًا يامحبة ربِنا وجلال عفوه، واسكبي لنا خمركِ والتقى وظلال نوره. واتركينا نعرف ذواتنا من ذاتنا، جمعًا نحاول. نحن نخطئ ونصيب ونحمل وسعنا. ونقيس أمرنا في ظلال الضياء سعة. نفعل مانستطيع. ونقول ما لا نستطيع. نتغنى في الزهور والحدائق ونعيش في شح صحرانا. نرى السراب ماءًا ونعيش عطشى. ونجوب الأرض بثقل وخفة متوازيان. نُعمر الأرض الجميلة بين دجلة والفرات، ونحفظ الأسماء. وننسى ذكرنا. نصحو حينًا ونذكر أننا كنا ذات يوم لديك. نختبئ تحت ضياء برق كاد يخطف أبصارنا. كلما أضاء لنا نمشي فيه. وإذا أظلم علينا نغفو عليه. قدنا ضياءًا جمعًا. ضعنا على يدي الرحمة جمعًا. دع الحب يسيب من مجنتيك، ويقع في قلب الجمع. جمعًا نحاول. جمعًا نخطئ ونصيب، ونُغفِل الأسماء. تتوهج برقًا في مخيلتنا صورًا للحنين. نراك في الخليقة والوجود. نعرفك. نبكي الحياة جمالًا ونقبل الأرض ونطلب وصل السماء. خذنا ضياءًا، وجنات هوى. نهيم سكارى على باب القيامة. ويأخذك العطف ألا توقظنا. فنحن غارقين في هوى حياتنا المستدامة. نطفو بخفة الأشباح من خلال الثرى، ومن خلال أيامنا. نصحو يغطينا التراب، فنحن لا نرى. أعد لنا أبصارنا، من خلال القلب. دعنا نرى حياة الجمع. ونعود في أحضاننا. نرى ذواتنا من خلال قلب الذات. ونغفر لأنفسنا ذات ومضة. أمطرنا ضياءًا ودمائًا وتضحية. دعنا نقطف من زهر أنفسنا ونضعنا في يديك. نعود جمعًا إليك. ونعيش في الحدائق فرحًا وبسمة عشق. نغمر قلبنا الهائم في وجد الخليقة المعطاء. وأجعل محبتنا ضياء. نتبع دربك المتوهج. في وضح النهار نرى نورك. نتبع خطانا عائدين. نمر من خلالك ونعود إليك. أحتضنا ضياءًا في يديك. وأدرنا في وجهك نورًا. يخر حملنا لديك. فنبكي جمعًا وخشوعًا لبيك، ضياءًا، لبيك.
-
مضى على ساعدي الزمان كتابي، وانتفضت من غفوتي متمددًا تحت الشمس. اتبعت خطاي ووصلت حينًا لسرابي، والتمست الوجد بحثًا عن طريق. غاب قلبي في مسارات التفاني، وانتظرت العَود يرجع من جديد. صاحب العَود أنت، وانتفاضات المعاني. تحضن وهج الشمس وتشع ومضة نور. تختبئ تحت جفن قلب الكون، وتسرق عبق الثواني. وتخاف القرب وتراقب من بعيد. غاب حلم الوصل مرة. وعاد يركض، ذلك الوحش البليد. انتفضنا، وسهرنا، وانتصرنا ذات مرة. ثم عدنا نستقي ثمرًا جديد. لم نجده فنحن غبنا. لم نطيل ثم عدنا، نستقي الثمر البليد. فالقتينا عند بابه، وشكرنا الله صدقًا، وسجدنا بانتظام وتفاني. وانغمرنا فيه حبًا، وفهمنا أن سر الكون فاني. وفهمنا أن كل الكون لعبة، ومحاكيها أناني. لكن وقفنا، وهمست لقلبك المفتوح “دعنا.” وتسائلت أنت مني. فجلسنا وفهمت، وقصصت وسردت أنني شغفًا أعاني. عدت اهمس واهلوس، دعني ابحث عن مكاني. قلت لك أن الحب ليس صدفة، ليس لعبة، ليس مكارًا أناني. فابتسمنا واحتضنتك، واستقينا حبنا حد الثمالة في ثواني.
-
أسير بطيات المسافة وانحني مضيًا في السراب. يغيب من حولي وأقف في قلب ما يحدث شاهدًا من غير فعل. أحاول أن أجد منشأ أو مرسى. أحاول أن امسك غياهب السراب فيغيب هو الآخر. أنا الوحيد بين جمع العدم. أنا الشهيد على ما انعدم. إنها لمغفرة ليس لي علم فيها أن أجد وجهك في مخيلتي. كل ما أغمضت عيني أرى سرابًا واضحًا يبتسم. فيُخفِقُ قلبي بالخفق. ينقطع نفسي للحظة وامسك ابتسامتك عبثًا وحيرة. يغيب الخيال واسقط على باب الخيال. لا الطرق ينفع ولا النحيب. لا الحب هنا ولا الحبيب. كل ما حولي ظِلال وانعكاس خيالي. كل ما حولي غريبًا كيوم ولدت. كل ما حولي صدى يعيد سؤالي. أين من يغمرني بين كثبان السماء؟ بين أخاديد الصمت؟ بين جبال الظلام والنور؟ اختار نورك والتمس إيحاء رسمك. قدني إلى الخلد، إلى موطن العجائب، إلى الموعد الحتمي. نمضي ممسكين الحب يتأرجح بين أيدينا. يضحك، يلعب، ثم يأتي حين البكاء. يطلب ذاك الشيء معنا. يحن حين يرى أدمعنا، ثم يعود. يضمد جراحنا ويخفض اللغط ويرضى بلغة الجسد. يتجرد الحب بتجلي، بين قبلات الجبين وصرخات الحنين. فيأخذني السهر منك. ويبعدني كبريائي عنك. فأموت حسرة. على باب الخيال وحدي، بين كثبان السراب. أبدو مألوفًا كثيرًا للغياب. أبدو غريب الدار عن الدار. أبدو كمن يستلقي على أرض المعارك. يغطي عينيه وأذنيه متعشمًا بأن يسرقه الخيال. يومض وجهك الضاحك بين ناصيتي. أحاول الإمساك عبثًا، فأنت لست هنالك. ويتضح الأمر لي حينما أعرف أنني من وحي خيالك.
-
لم أنتمي للغد أبدًا، ولم أنتمي للصورة. لم أبتعد عني أبدًا، فأنا حبيس الصورة. أقلم الشجيرات الصغيرة، واستقي ظِل العباد. واستقي عطشًا بحورًا، فلا أجد ماءً وزاد. أنا ابن صحراء جدي، وامضي تقلبًا في الريح. ولست ابن صحراء جدي، ولا أنتمي للريح. امضي معها، بلا تردد أو كلل. واستقي حلمًا جميلًا، وانطبق على ذاتي الكسول. استنجد فيه بأن يفيق. فالبحر يغمرنا معًا، ويأخذنا لحيث لا نريد. أنا ابن أقدار جدي، وابن سلالة الصحراء. اخرج للفلاة وامضي، استقي ماءً وزاد. أرى الصحراء ممتدة. واشم رائحة ملح البحر، لكنني أرقد في الفلاة. اضع رأسي على آثار جدي وأرى أثر الغرباء. من بينهم آثار أبنائي تملأ الأرجاء. لم أبتعد قطًا بخطوة ولن أعود فأنا بعيد. يخطفني الحلم الجميل وأبقى بقرب الأرض. اسمع خطوات أرجلهم، جميعهم من رحلوا. تركوا لنا ترابًا لنأكل منه بنهم. لكن التراب يجعلنا عطشى وملح البحر لا يروي عطش الطيور. ابتعد خطوة وأعود وأنا سعيد. أنا ابن الفلاة ممتدًا على رحب السعة. تنشرح الخطى والمقابر ونبقى على قيد الحياة. نقلب الريح معنا، وننطوي لأقدارها كحقل يلتهمه لهيب النار. هنا حيث كانوا يتسامرون بما سيكون. هنا حيث كانوا ومضوا إلى ما سيكونوا. يتسارعون للماء عطشًا وتلتهم الصحراء خطاهم. يطوون طيات الأرض بخفة العفاريت المختبئة بينها. عبق الصحراء اختلط مع عبق خطاهم، فالتهم ملح البحر ثراهم. وبقيت أنا اقبل الأرض الدفينة. تقابلني بالجفاء ويزيدني ذلك شغفًا. فبالنهاية ارفع رأسي وانظر للسماء. يستيقظ فيني حلم الطير، فتقبلني الأرض شغفًا. تغار الصحراء في جفائها وتحتضني ليبقى ظل طيفي. تطويني في طياتها وتُخرج العفاريت. أحس بدفء خطاهم، وقطرات ماء تتساقط من ثغرهم لهفة العطش. لم يعرفوا الشيء الكثير. عرفوا أنني سآتي يومًا منتشيًا عبق البعيد، وأن الحب سينحني في خيالي ليوقظ الشوق. أن الشوق سيتوق ليرى ما هنالك. هنالك على غسق الوجود يغفو الحلم المنتظر منتظرًا ساعته. هو من أيقظ سيد البيد يومًا، واحتضن من تغنى في أرضه الخضراء. خضراء أرض قصائدنا خضراء. تتمدد في البيد تستقي القوافل والمطر. تحلم بأن نجد أرض الماء. أرض سلالتي الموعودة. حيث تنام حورية البحر على شاطئها تستقي الشعر والغناء. ويرتل العبد الصلوات وحيدًا في الفلاة تحت سماءها الظلماء. ليشع نورها في يوم تحت نور الغسق، حينما نفقد بصيص الأمل ونطلب مطر السماء. فالريح لا تقدر أن تحيد الصلوات. ولا يقدر ملح البحر. تعبر كطيف الأمس في ومضة، وتجد أذن المجيب. تعود والطمأنينة تغمر الأجواء. لا نلقي بالًا للصحراء، ولا لتمدد الفلاة. نسمع أغنية الغسق ونرى بصيصه. نحج جمعًا باتجاهه. نخلع نعلينا ونتمدد تحت السماء. ننظر القمر مبصرًا إيانا، متغزلًا بالنجوم. نرى الحب فعلًا، والهوى تجلي. نتبادل الشعر وصفًا لكل ما هو بعيد. ونضع يدًا على الخد ونستمع لأحاديث لهيب النار. كل شيء يلقي سمعه، ونعرف أن الغد سيعود. وتعود آثار جدي جلية للعابرين. يبتسم ثغري الصغير فيتساقط التراب منه، وقبل أن يقبل الأرض يعانق قطرات المطر.
-
أرخوا السلام فكل أحباب الهوى ضاقت بهم سعة الوجود وناموا. أرخوا الوجود وغنوا احتفالًا بما مضى. يمر الحشد مبتسمًا من خلال أعينه. أرقب من بعيد مبتسمًا من خلال قلبي. ينبض قلبي بين يدي فاحتضنك. نائمًا على صدر الحبيب اسمع همس ما يكون. اسمع معزوفة ما وراء قلبه. بعض المعزوفات لا تُسمع إلا من خلال القُرب. لكن القُرب مُتعِب. ينتشلني من أمام الحشد ويضعني مراقبًا من الجانب حاملًا قلبي النابض. ماذا لو وقفت هناك وحيدًا؟ ماذًا لو لم أستطع مد قلبي بكل ذاك الحب في ذاك الحين؟ من سيضعني سائرًا مع الحشد مرة أخرى؟ نائمًا على صدر الحبيب أضع القلق وحمل الوجود. أفهم بكاء الأنبياء بين يدي الله. أفهم معجزة موسى، فأنا قد مررت من خلالك. لكن يعود القلق، فمن سأجد هنالك؟ هل سيكذبني بنو إسرائيل عندما أصل للأمان؟ فالأمان يُلبد المشاعر ويخطف الحس. نائمًا على صدر الحبيب أعبد الله واستقي عِطر الصدور. تحقق ذاك الوعد وانشرح صدري، ووضعت وزري في يديك. غائبًا منك إليك. عائدا كلي إليك. ارقب الحشد الغفير من خلال صدور أحبتهم. ذاك يرقص وينام. ذاك يُكثِر في الكلام. ذاك يعزف ثم ينظر ليدي. يظن أن الحب قد فعل ذلك الفعل الشنيع. لكنني أعرف أن الحب فعل ذلك الفعل الوديع. حبي، حبي الجميل، انتشلني من مقامات الحشود. انتشلني من متاهات الوجود. وأعطي قلبي ما لديك. دع صدرك الرحب يسامرني واحتضني في يديك. حبي، حبي الجميل، لا تدع فسحة للأقدار. لا تدع فرجة للنصيب أن يخطفني من لديك. نائمًا على صدر الحبيب اتلوا صلوات الرباب. أرتل شعرًا قد تلاشى في الغياب، وابتعد عن حشودي وارتقي في مقامٍ لا يلامسه السحاب. في السماوات المديدة يجد دهشة. يقع في الحب تكرارًا ويخلق قلبًا كل مرة. يعود بحبٍ غامرٍ ويلفظ لهفة. يجد الملاك هنالك، غارقًا في بحور العشق أيضًا. نائمًا على صدر الحبيب، يخدم الله بإخلاص في مقامه. يتلو التوراة حبًا، ويرتل القرآن والإنجيل، ويصلي للجميع. يدعوا ببهجة طفلٍ يجد سخافة البالغين مضحكة وبديعة. يسهر العمر كأم تنتظر ابنها كي يعود من حروب ليس له دخل فيها. يحمل قلبه بين يديه أمام حشدي. منغمسًا بعزفي انظر إليه. ذاك مابين يديه، يبدو مألوفًا كثيرًا. يبدو كما كنت يومًا حينما كنت صغيرًا. أرتل القرآن حبًا، واتلو التوراة والإنجيل بقلبي للحبيب. يشرح صدره، فأنام. طال عمري وكبرت. وبدوت اليوم أكبر، وذاك قلبي في يديك. احمل القلب بصدري، وادعوا كل حشدي إليك. نعلق الأمل عليك. اغز جوفي، واعرنا مسمعيك. أنت هنا، ونحن إن غبنا سنعود. أرخي سلامك، واترك الوجد لنا. فنحن نحمل قلبًا من هشاشته يطلب الأمن سلامًا، ويعير الحشد حبًا، ويعود ويسقط كل وجدي في يديك.
-
الحب مرآة المحب. والحلم نسج الخيال. وخيوط نسجه تقلبها الرياح حيثما تشاء. إني أخاف ضياع الفتوة، وضيع الصبا. أخاف ألا يحين الموعد الحتمي، أو أن نسقط من خلال أنفسنا. أخاف ألا نعود ويعود الحلم فينا. نسير كسير الجموع الغفيرة. نبكي المغفرة ونسقي المودة من مدامعنا كسيل مشاعرنا الغامرة. أخاف أن يغمرنا الحب بما لا نستطيع فنخر على ساعدي الأرض. وتشهد علينا السماء بأنّا خُلِقنا ولم نحتمل كيان الوجود. أخاف ألا نُسقِط الحائط ونبقى بسجن مديد عميق. نصدق أنّا خُلِقنا كطير يحلق. وأن اتساع السماوات لا يتسعنا. وأن أرض السجون هي أرض القداسة. نخر عليها بدموع العباد ونقبل ثراها. وندعي بأن تدوم علينا رياح الربيع من تحت كثبان الثلوج. أخاف ألا يكون مكاني هناك. وألا يكون زماني معاك. وأن امضي بقلب شجاع وروح محب وأجد الكل إلا سواك. أخاف أن تفر الشجاعة، ومن خلال الحب يراني المحب. وأن تسبقني الأزمنة وأبقى مكاني. أخاف أن ألقي بنفسي عليك وألا أجد دفء يديك. لكنك تجيد سماعي، وتجيب دعائي، وتبقى خلال حروب كثر. أخاف ألا تجد الغرابة شيء مثير، وأن يسرقك الواقع. فتصبح واقعيًا بحمق، وتطالب بالأدلة. أخاف أن يموت الطفل، وحيدًا على شاطئ العدو. أن ينتصر ذاك الظلال الضئيل الذي لطالما كان يطفو فوقنا كنسر يرتقب موت أرواحنا. أخاف أن يُسرق صحوك، فتنام وتنسى الزمان الجميل. حيث لعبنا وتعبنا زمانًا. ورقصنا زمانًا نغني الأغاني. ونشرب حبًا لحب الحياة. ونسكر بوهم جميل رقيق. ينادي بخفة ويرقب بحرص. ويضحك ملئًا على مانقول. نقول بأنّا سنحمل سيفًا ونحارب ذاك العدو اللدود. ونقتل كرهه، ونلاقي ذاته فنحتضنه. أخاف ألا يكون الحضن كافيًا ليضمد جرحًا. فبعض الجراح تحتاج مضي الزمان. تحتاجك أن ترتقب بصبر. أخاف ألا يكون النسيان كافيًا. أخاف أن يسرقني الحنين واقف وحيدًا عبوس الطباع. أخاف أن تمضي الجروح بالاتساع. وحلم الطفولة يصبح ضئيلًا ولا نراه. أخاف التلاشي والانقطاع. أخاف ألا يكفي الدعاء. وأن يكون جبنًا، لأن الشجاعة ليست هناك. أخاف أن يمضي زماني ومع روتينية أيامي ابتعد. فأنسى الموعد الحتمي، ونسقط بعيدًا عن أنفسنا. أخاف أن يحين الموعد وأكون بغفوي أعيش حلمًا بوسط الجموع. اغني بأعلى صوتي غناء الخشوع. واقفًا بمرآة المحب. أعرف الحلم ونسج الخيال. الأحلام انفلات نسج الذكريات. هي الأنين لما سنكون. والحنين لما كنا. حيث كان الصحو محبًا ولا يقلقنا كيان الوجود. نلاقي العدو، ونخرج سيفًا يراه المحب. فيخر سجودًا لأرض القداسة، ويبقى قريبًا من أرض الجنان. هنالك حيث الخوف يخاف فلا يقترب. حيث نراقب انحدار المياه وننظر قُدُمًا لما يقترب. حيث نراه ويبتسم صمتي، وتغني الطفولة ملء المكان. هنالك حقًا سنبقى معًا، ونمضي برضى من خلال الزمان.
-
على جسد امرأة تحارب الموت بضراوة، تنبع الحياة. تجري الحياة كجريان الموت. فهي تأتي بشكل موجات لا ترُى. تنبع على شكل طاقة تخترق الأفق المحيط فتحيطنا بطهر العري. تمر أحلامي من خلالها كطيف يحمل الوجود بخفة. يعبر الطيف من خلال وجوه العابرين. يرقص حينًا في مسرات المساء. ينوح حينًا في عزاء موت أحدهم. يعبر الأرض ويتوقف عند ورود تحتضر. لا يفعل شيئًا غير وجوده بجانبها. يمر من على شواطئ كثر، ويوقفه تعبير سمكة بالحب لطفلها. لا يفهم الطيف حبًا كذلك، فهو واقعي الخصال ويغمر شعوره بالأفعال. يمضي ويقف. لا يوقفه التعب لكن توقفه الدهشة. يمر من خلال ضحكات الصغار وبكاء كبارهم. لا يعير اهتمامًا لكلاهما، لكن يضحي لهم بوجوده العابر. الطيف ساهر فوق جفون المرضى. يترقب الموت لكن لا يتمناه. يحول عليه الحول ثم يعود. يقف أمام شاب بكامل صحته ويستنشق عبق الحياة. يمر من خلال أطياف أخرى ويلقي السلام كاسرًا صمت الوحدة والملل. يمر طيفًا يلتحف السواد كتعبيرًا عن ماهيته. ذلك الطيف الخفيف لا يثقله سواده، يبقى على الموجات ذاتها. ينتقل كأنه طيف البياض الوحيد. لا تثقله صفة الوجود، عدا ما تبقى من ملامح حياته السابقة. يمضي بجانب طيف يتلاشى باستمرار. كنبض قلب حيوان مفترس يطارد فريسته ينبض من خلال الوجود وخارجه، عبر النوافذ كلها. أحيانًا يقلق الطيف ذاك العبور. ينتقل بخفة بهلواني إلى مشاهد أخرى. أم تبكي جثة طفلها. محارب يطعن أخاه. عالم يشهد دمار العالم بأعين يملؤها اللهب. سائق يصطدم بحاجز لا يكف أن يكون هنالك في كل مرة. الذنب ذنب الحاجز. حاجز يقف في مكانه دفاعًا عما يؤمن به. حواجز متحطمة على مد البصر، ويد الله ترعى ما تبقى منها. نبي يسقي حيوانًا جريحًا. كاتب يجلس على سريره في الصباح ويشرب قهوته على مضض. حارس أعمى لا يرى شيئًا خلال الليل ولا النهار ويظن أن ذلك ما يجعله لا يقهر. جريح حرب يمد يداه إلى عنان السماء وهي تبتعد بروتينية ساخرة. فتاة تخر ضحكًا على طرفة قذرة. فتى يمسك بجناحين طائر ميت حاملًا إياه من خلال الهواء ليجعله يطير. مهرج يعني الطرفة التي يفعلها. رجل عجوز يولج يده تحت ملابس امرأة بدينة عابرة. عامل يحتفظ بقطعة خبز للغد، واثقًا بأن غدًا سيئًا كاليوم سيعود. لا يتحرك الطيف مثقال ذرة. تلك المشاهد لا تؤثر فيه. هو فقط يعيرها وجوده. يشهد الوجود. فهو الشاهد على خلق الله، وما يفعل بالوجود. لبرهة ذات يوم، تمنى الطيف أن ينتظر حافلة تمر لتقله لمكان ما، كعمل أو ليرى فلمًا مع من يمكن أن يكونوا أصدقائه. تمنى أن يحس بمضي الوقت، برهة برهة. أن يمتطي الحافلة وينظر حوله ويختار مقعدًا ليكون ذاك هو مستقبله اللحظي. لكن الأمنيات كنقطة المطر ستسقط يومًا في محيط وتساعد في حركته الشاملة وكأنها لم تمر يومًا من خلال السماء لوحدها. الطيف هو نقاط الماء والمحيط معًا. مدًا وجزرًا. القوة الصارمة التي تهشم الحياة وتعطي أمل إعادة بنائها. هدمًا وأغنية أمل. يومًا ما، من دون أن يلحظ أحد، سيجف الطيف، ويعود لمقعده بين الغيوم. فهو العابر من خلال خلق الله، وما يحدث بالوجود. هنالك وعلى جسد ملاك يخلق الموت بضراوة، يموت الطيف.
-
تمضي حياتكِ، حياة الزهور. وتبتعد متجهة لمدن الحدائق. وتبقى زهوركِ بلون مناسب، لا تنمو ولا تتناقص. تعبري من خلال النوافذ، تُسقطي عبئكِ ثم تعودي. تخاطبي الأشجار حبًا، وتستنشقي عبق ينبعث من وجدانية وجودك. تناغمكِ يطرب كل ماحولكِ بثقل وجودكِ الخفيف الراقص. تبتسم الشمس من خلال ثغركِ. يطل القمر من أسفل جفنيكِ. فتغار النجوم ولا تجد مكانًا يناسبها. كيانكِ يجري بنقاوة الأنهار، وطهر الصغار. جدائلك الطفولية لا تعبر حقًا عن ماهية التجاعيد تحت ابتسامة عينيكِ. تلك الوشوم الزاهية بلون حياتي وكل مايتخلل قلبي من لون تغطي وجهكِ الضاحك. حتى من خلال العبس، أرى حب الله حينما يحتضني في ذاك الحلم الأبدي البعيد. زهوركِ، القابعة في مطبخكِ الصغير الملائم لمهارتكِ الفذة في صنع الجمال من خلال البساطة، تزهو كل يوم بذات اللون. لا تتغير. تبقى كما كانت، وكما ستكون. كحبكِ الدائم من خلال قبلة طُبعت على خدي خلال الطفولة إلى أيام بلوغي عندما ظننت أنني حقًا لن أحتاجها. تبقى القبلة، ويستحي الشعور من الهرب. تجاعيد يديكِ تلمس الزهور بذات الملمس فتحس حنان وعطف قلب تغمره سيول الحب باستمرار. زهوركِ بلاستيكية، لكن تحس. فأنتِ تعبرين النوافذ من خلال صلاتك. من خلال قلبي وقلب الطفولة وقلب الملاك. تعبرين لكون لا تصل له التقنية الحديثة، ولا صلاة القدامى في نحيب لياليهم العصيبة. صلاتك حب. يصل إلى قمر المجرة، ويذهب لمجرات أخرى لألف مرة. يجوب المكان، ويعبر لبُعدٍ ويصل زمانًا غير زماني. يرتطم بشخص يعبر زقاقًا ضيقًا فيشعر بأن هنالك أمل وحب وقصة. ويفهم كل تلك الفوضى بلحظة إلهية المحاسن. فيعرف أن هنالك محب، وهو الحبيب. سيكون محبًا لذاك الحبيب. سيكون ظلًا كظل الآله، فيسقط ظله على عابر آخر بخفة كخفة راقص على الجليد أو رياحًا تحمل ورقة خريف. فيحس الطفولة ستبقى هنالك، ويبقى طهر المحاسن دومًا يشع من خلال ظلال الآله. سيحب جنون وفوضى أحداث زمانه. سيحب حقيقة وجود كيانه. سيحس بأن هنالك شيء جميل يتخلل روحه وكأن ملاكًا قد ربت على كتفيه بطمأنينة الله. الله يحبه. الله يُعبِر بحب مقاتل، ورحمة أم. حب الله يمر خلالكِ، ويبقى مكانكِ على مر الأبدية بثقة أعمى لا يخاف الظلام. حب الله يمر خلالكِ ويلمس زيف زهوركِ فتزهو زهو مزيف جعله الحب ممكنًا. تشع بخجل، ولا تنطوي. يداكِ تلامسها بكل حنان، وبخفة الشمس حينما تعطي الحياة لكل الزهور. ستبقى زهوركِ، وحبكِ يبقى، وكل ماغير ذلك يومًا يموت.