البحث عن أبي في يدي

يحرك أبي يديه النحيلة السمراء حين يتكلم، حركات رشيقة وخفيفة، كأنها يدي راقص فلامنكو أو العندليب وهو ينتشي طرب فلا يكفي الصوت والعبارة ليعبرا عن عمق وأبعاد الشعور فتبحر يداه على موج الموسيقى في الريح، وكأنها يدي رسام أو عازف تتحرك محاولة أن تسلب الوعي البشري إلى حد أبعد من ضيق اللغة، وكأنه هو نفسه البدوي الأسمر النحيل يجلس في البيد يقطع صمته بالكلام ورتمه الممل بالحديث ويحرك يديه كأنه ما زال يحاول أن يطلي سماءه الواسعة واتساعه السماوي، حركة صقلت تفاصيل يديه في ذهني لأن تحركها يخطف الحس حين يجاريك الحديث، كأنه ساحر، كأنها يدي ناقش للأحرف العربية أو يدي فنان يرسم الأحرف اليابانية، كأنها يدي مقاتل كونق فو أو محارب ساموراي يقص الهواء بسيفه، وكأنها يدي راقص في فيلم بوليوودي، وكأنها يدي حكاء أفريقي، هي أيادٍ حركتها سريعة رشيقة تجاري وقع الحديث تذهب في اتجاهات مختلفة، تنكمش وتنطوي وتنفتح وتبتعد وتقترب، ترسم خطوطًا وأشكالًا مختلفة وبالفطرة، في كل لحظة، ترسي في موضعها وتتجسد في شكلها المتناسق مع الحديث، فتأطره ليثبت معناه ويصيب وقعه، إنها أيادٍ معبرة؛

والآن، بعد ثلاثين عامًا في هذه الدنيا لاحظت، ها هي تلبس معنًا جديدًا مختلفًا وتشكل تعبيرًا آخرًا، في كل مرة أنظر ليدي السمراء أرى يديه وأراه. وفي هذه اللحظة، أحس بالحظ لأني أعرف (ومن مثل البدوي يعرف؟)، فلا موطن للغربة ولا غربة في الموطن الدائم، أينما رحلت وحللت أحمل كل أسلافي وأحبابي في يدي.

أضف تعليق