(ترجمة، من الإنجليزية، للفصل الأول من ثلاثية «كودكس 1962» للكاتب الآيسلندي شون)
– الجزء الأول –
أبصرت عيناك جوهري: قصة حب
1
«لو كان لنا أن نلج ليلًا إلى الساحة الرئيسية لبلدة صغيرة، لنسمها كوكنِشدآت، في سكسونيا السفلى (استنادًا إلى أسلوب العمارة واللافتات التي تعلو المتاجر المصفوفة حول الساحة) سنجد أن الأجواء تقليدية لبلدة صغيرة بعد منتصف الليل. يغلف كل شيء هدوء مدهش ليطير بمخيلة المرء إلى مهجع في مخيم صيفي لطلاب مؤدبين: كل بيت في مكانه والليل منطوٍ تحت أطنافه: تلاشت همسات أخبار وهموم اليوم في الصمت. يُدخل ولد صغير يحمل مظلة هذه البلدة في عالمه.
لربما أن الولد قد استمر إدلاجه غربًا، لكنه لم يغادر بلدة كوكنِشدآت الصغيرة كليًا مسحورًا بأحلامها: في منتصف الساحة تمثال يبقي عينًا ساهرة على سكانها.
إنه منحوتة صوص، مثبت في منتصف انطلاقة، مندفعة رقبته للخارج ويتطلع رأسه للسماء، ومنفغر منقاره باتساع وجناحاه القصيرتان السميكتان مائلتان. ينعكس القمر الأزرق على الرخام الأسود كمصباح ليلي تُرِك مضاءً لطفل خائف من الظلام.
تستمد البلدة اسمها من هذا الصوص، وعلى الرغم من ضآلة حجمه–أكبر بسبع مرات من حجم الصوص الطبيعي تقريبًا، لكنه ليس حجمًا كبيرًا–فهو يضمن لقاطنِ كوكنِشدآت رقادًا أكثر طمأنينة مما يجلبه قديسو المدن الكبرى لرعيتهم، ففي قلوب النائمين تعيش الذكرى حينما أنقذ الصوص أسلافهم من أن ينحروا على يد محارب بيرسيركر فتاك عاث في أنحاء القارة وأباد كل شيء في طريقه.
لكن لولا حقيقة أن قصة حياتي بدأت في هذه البلدة الصغيرة والتي تدين وجودها لصوصٍ فضولي: نعم، لو أنها لم تبدأ هنا، في هذا المبنى المكون من ثلاثة طوابق القابع على هذه الساحة، لخرجنا على أطراف أصابعنا من بلدة كوكنِشدآت السكنية، مغلقين الباب خلفنا بهدوء.
***
يأتي صوت تأوه من المبنى، كما سيلاحظ من يرهفون السمع لأسرار البيوت، لكنها ليست تأوهات المعاناة ولا المرض، اوه لا، إنها تأوهات النشوة الموجِعة، تأجج الشبق الجنسي: الأنين الناتج من عض الرقبة وقبض الأرداف».
«إنه بيت دعارة إذن؟»
«تنتشر نبتة مُتسلق على واجهة المنزل، وتتفرق حول النوافذ واللافتة المعلقة أعلى المدخل: GASTHOF VRIESLANDER. النبتة متشابكة فتبدو كأنها ستخلع السقف».
«اخلعه! أريد أن أرى الداخل وأرى من يتأوه…»
«لم يعد هذا المنزل بيت متعة لكن نُزُلًا عاديًا، يديره زوجان نزيهان واللذان جمعا أغراضهما وتركا مزرعتهما ليفسحا المجال للأوتوبان. لم يحصلوا على الكثير من تثمين مزرعتهم، لكن الله والحظ الحسن كانوا معهم فاشتروا وكر الإثم هذا بثمن زهيد عندما منع الحزب الفجور في البلاد».
«اخلعه!»
«اغمض عينيك إذًا. هل تستطيع أن تتصور الساحة؟ الصوص والمحلات؟ لافتة “Gasthof Vrieslander” ونبتة المُتسلق المتشابكة والسقف؟ جيد. لا، لا تفتح عيناك. سأضع يدي داخل جبينك ــ نعم، هيّا اقطبه ــ والآن تستطيع أن تراه يدخل فوق الساحة، رمادي شاحب كأنه مخلب وحش في الوهج الشبحي النابع من إنارة الشارع والقمر فوق الكنيسة».
«يا لله، كم تبدو يدك غريبة ــ ضخمة جدًا. وأظافرك طوال، لم ألاحظ ذلك من قبل ــ»
«اششش، ركز! أضغط بإبهامي على السقيفة الأمامية، أمسك المفصل وعلى مهلٍ أنزعه كله، حرصًا لئلا أكسر المدخنة”.
“نعم، لا نريد أن نوقظ أحد».
«ثم أحركه فوق الساحة بسلاسة قبل أن يرتد إليك طرفك وأنزله، والآن للصوص سقف فوق رأسه. والأهم أنه لن يرى ما نحن بفاعلين. استمع له وهو يزقزق بفضول: “هل سأرى؟ هل سأرى؟”»
«اوه، يا للطافته!»
«لا ترثيك حاله. قريبًا سيكف عن الشكوى ويغرز منقاره تحت جناحه».
«تصبح على خير، أيها الفرخ الصغير».
«سيخلد إلى النوم بينما نستمر في اكتشاف المنزل. أتراني أدخل أظافري الطوال في المفصل بين واجهة المبنى والجَمَلُون؟»
«نعم».
«وأنا أسحب واجهة المبنى للأمام؟»
«تتصدع المفاصل كأنها غراء من سكر».
«أضعها الآن في الساحة».
«كأنه بيت دمى!»
«نعم. توجد هنا في الطابق الأرضي منطقة الاستقبال ومكتب يأوي إليها. تستطيع أن ترى غرفة الطعام في الجهة المقابلة للطاولة، ومن ذاك الباب ذو النافذة البيضاوية تدخل المطبخ. كما ترى، لا بذاءة هنا. ينام النزلاء بأدب في غرفهم في الطوابق الثلاث، بينما يضطجع الموظفون المرهقون على أسرتهم تحت الروافد».
«إذًا ما هذه الأصوات القادمة من المكتب؟ ما أسمعه يبدو كمن يشهق ويلهث».
«كلامك صحيح، دعنا نلقي نظرة للداخل ونرى من يلهث…»
«يجلس شاب أصهب على كرسي من جلد غامق، منحنيًا فوق صور مصفرة لحسناوات مكتنزات، ويده تتحرك في حضنه…»
«من هذا المنحرف؟»
«إنه خادم النزل، صبي يتيم أحضره الزوجان معهم من الريف، ليقضي الأعمال التي لا يريد أحد أن يقضيها».
«وما علاقته بالقصة؟»
«في الحقيقة شخصية جانبية لا أكثر، المسكين، لكن كل شيء سيتضح في وقت لاحق. لا أخبرك القصة هنا الآن، لكنني أرسم لك المشهد فقط. حسنًا، ألاحظت أي شيء خارج عن المعتاد وأنت تنظر للمنزل وهو مفتوح هكذا؟»
«مثل ماذا؟»
«حسنًا، الق نظرة. مثلًا، كم عدد الغرف في كل طابق؟ لن أقول أكثر…»
«انتظر لحظة…»
«لو رفعت الطابقين العلويين حتى ترى الطابق الأول من أعلى وكأنه متاهة، ماذا ترى؟»
«هذا ما تقصد… آه، الآن أرى ما تعني…»
«الغرف في الطابق الأول للگاستوف ڤريسلاندر لها أبواب سرية مخبأة في ورق الجدران. تنفتح الأبواب على دهاليز ضيقة متعرجة تؤدي لملجأ القس، حجرة خلف الألواح الخشبية لغرفة رقم ثلاثة وعشرين.
في زمن ما، كانت هذه الحجرة مأوى لقادة البلدة الدينيين والعلمانيين منهم وأي شخص آخر حُرِم من أن يُرى برفقة سيدات المتعة، فكان ماخور المدام يحوي على غرف عدة لتلبي الاحتياجات المتنوعة لرعاياها.
لكن ما لم يعرفه العمدة ولا القس أن بمقابل مبلغ ضخم يستطيع ضيوف بيت الدعارة من العوام مشاهدتهم من ثقب في جدار الغرفة رقم ثلاثة وعشرين. ولذلك أصبح ذكر أعمدة المجتمع، طولًا وعرضًا، دارجًا على كل لسان.»
«لكن من ذاك؟ اوه، اختفت خلف الزاوية. إنها امرأة، أليست كذلك؟»
«إنك مرهف السمع. ذاك رجل مسن يسكن بالنزل، لأن المنازل التي تلعب دور مهم في القصص عادةً يسكنها عجوز.»
«عجيب أنه بدا كأنثى في قميص النوم، ويديه ممتدة أمامه كصغير الهِر…»
«أصبت كبد الحقيقة! اسمه توماس هرساش، أو “اِست الهِر” كما يسمى، ويعيش في النزل منذ أن كان طفلًا».
«إذا لا بد أن لديه حكاية أو حكايتان من الزمن الذي كان يتوقع القاطنين في النزل أكثر من زجاجة ماء دافئ تنتظرهم في غرفهم».
«انتظر. سأحضره. تعال يا عجوز، قف هنا على حافة النزل».
«إنه نائم».
«نعم، يمشي في نومه، يسرنم ويهيم على وجهه في الممرات كشبح خرج من قصص الرعب الإنجليزية. يتكلم في نومه من حين لآخر، وبكل صراحة، لسانه قذر أحيانًا».
«يا إلهي، لا بد أن الضيوف يرتعبون حين توقظهم همسات بذيئة تسري في الجدران».
«اششش! إنه يحرك شفتاه، ويرفع يداه الزرقاء المسنة ويخاطب المدينة النائمةــــ»
«هل سأرى؟ هل سأرى؟»
«اصمت يا دجاجة! هذا لا يليق بطير صغير.»
«نعم، عيب عليك أن تلهث وراء هذه الوساخة!»
«يستطرد العجوز: ها أنت ذا يا حلو، آه، احضر المنشفة هنا، مرر شيء لبيلالولالولوليلي لتنشف نفسها. فزوج لولوليلييبيلالولا كان يتجسس، صحيح؟ وهل رأى شيئًا جميل؟ لا، يا إلهي يا طفلة، هذا لا شيء مقارنة بمدفعه؛ لا، لن أخبر أحد باسمه: إنه يأتي في الصباح يا ملاك قلبي حين يرحل الجميع، يرتدي قناعًا أسود، وأنا الوحيد الذي يعرف من هو – حسنًا، ربما واحد آخر يعرف. هووف، لولابيلاليليلولو متعبة الآن، كن ولدًا مطيعًا وافرك رضوضها بمرهم واخبرها بالقيل والقال المتناقل بالبلدة… كيف حال مدير البريد؟»
«توقف عن ذلك حالًا – إنه يقبض عورته!»
«يستطرد العجوز: لو كان الغلام مطيعًا لليليلولالولوبيلا ستلعب مع صبيه الصغير، ستهب فتاها الصغير شيء لطيف حوالي عضوه، اوه نعم، ستفعل…»
«لا تتمادى في هذه القذارة».
«حسنًا، حسنًا. يصمت العجوز – هاهنا، سأدفعه ليعود في الممر، والآن أنا غارق حتى مرفقي في الصورة التي استحضرتها في ذهنك لساحة بلدة كوكنِشدآت».
«هل هناك شيء آخر يجب أن أراه؟ أحس بالدوار…»
«جاهز؟ الآن بلمح البصر سأرجع الطوابق العليا لمكانها، بعدها الواجهة الأمامية، والسقف فوقها كلها. والآن سأسحب ذراعي من رأسك…»
«كل ما أراه بقع صفراء، تقذف أمام عيناي كالمذنب، لكن حينما أغلق عيناي تظهر الساحة كما وصفتها تمامًا في البداية، لكنني الآن أستطيع أن أرى داخل النُزُل، كل ركن وزاوية مألوفة لي».
«لكن ألم تلاحظ تغييرًا عما سبق؟ إننا نقترب من القصة ويجب أن تكون أول ملامحها واضحة».
«نعم، انتظر، هذا غريب، الآن هناك ضوء يشع من أحد نوافذ العلّيّة…»
«ماري-صوفي إكس نائمة».
«من هي؟»
«إنها المرأة الوحيدة التي اقتربت من أن اسميها أمي».
«تجلس فتاة على سريرها تقرأ كتابًا، يتكوم اللحاف على قدميها وترتاح أخامص قدميها على الحروف المطرزة بغرز متقاطعة. كدست المخاد خلفها وضمت وسادة في حضنها حيث وضعت الكتاب. يتلألأ عقب الشمعة في حمالة على خزانة الأدراج بجانب السرير وتلقي ضوء أصفر عذب على محتويات الغرفة. لم تكن كثيرة: كرسي، خزانة ملابس، مقعاد الحجرة، مرآة بيضاوية وصورة فاقعة لقديس يحوم في خلاء غابة حاملًا كوخًا صغيرًا في يديه. يتدلى من علاّقة على باب خزانة الملابس لباس خادمة أسود، وتتراكم الكتب على الكرسي. هناك بابان للغرفة، واحد يفضي إلى حمّام الموظفين، والآخر لبهو الدرج.
سحبت الفتاة بأظافر مأكولة خيطًا خفيًا من كلمة لكلمة مستشعرة الكتابة بين السطور بأناملها. تغلق عيناها الزرقاء الصافية بين حين وآخر وتفكر فيما قرأت، وترتفع يدها اليسرى من تلقاء نفسها لتلعب بالجديلة الغامقة الموضوعة على الشريطة الأمامية لفستانها الليلي. تعبس كل ما قلبت صفحة، وحينما تشتد الأحداث تفرك أصابع قدميها الكبيرة بعضها ببعض وتضم قدميها للأعلى.
كانت تتوقف غالبًا، أكثر فأكثر، لتتأمل في الكتاب. دقت الساعة المعلقة في الطابق السفلي لتدل على أنها الثالثة وقرع الجرس الفضي في مبنى البلدية بعدها بلحظة ليدل على أنها الرابعة.
– هذا الكتاب يسرق الوقت. لا بأس، سأقرأ صفحة أخرى، وسأخلد للنوم بعدها.
***
– والمذنبات؟
– إنها قشرة رأس ملاك، تحترق في أقصى طبقات الغلاف الجوي ويسقط الرماد على الأرض ليتحول لأرواح ضئيلة حارسة لصغار الحيوانات والنباتات والمعادن، مثلما يرجع أصل الرماد البركاني من جبل هيكلا للجمر المتساقط من لحية الشيطان حين يتحرك مستهترًا بين نيران الجحيم، وهذا الرماد، في الجانب الآخر، يتحول لعفاريت تحارب أرواح الخير للسيطرة على كل ما يعيش. لذا معارك الخير والشر تشن حتى في جواربك – تبدو لي وكأنها مصنوعة من قطن.
– ما هذه الترهات التي يخبرك بها الرجل يا سيقفريد الصغير؟
– يحكي لي عن النجوم.
– أهذا صحيح؟ إذًا لا بد أننا الآن اقتربنا من الموطن.
– ماذا عن الفيلة؟ هل هناك شياطين في الفيلة أيضًا؟
– قلت هيّا!
– يا إلهي! نعم، لا بد أن هناك حروبًا كثر تشن داخلها.
– وفي حمَّالات بنطالي؟
– إخ، نعم!
– هيّاااا!!!
تُرِك العبد وحيدًا بجانب الكوخ بعدما أمسك الرجل بيد الفتى وعبر به للبوابة حيث حياهما الحراس وخرجوا. نظر للأب وابنه يصعدان على متن مرسيدس-بنز براقة ويرحلوا.
– ماري-صوفي؟
– نعم؟
– أيمكنني محادثتكِ؟
– حدثني.
– أنتِ وحيدة.
– وحيدة تمامًا.
– يغطي الظلام الأرض كلها.
– أراه من القمرِيَّة؛ لا نجوم هناك.
– تفحصت الأرض بأكملها؛ كانت نائمة.
– الكل عداي.
– أنتِ أيضًا.
– لكني أقرأ كتابًا.
– أنتِ نائمة.
– هل أنا نائمة؟ يا إلهي، هل ما زالت الشمعة مشتعلة؟
– إنها تحترق، مثلما سيحصل لكِ.
– عقابي لا مفر منه الآن. هذا البيت قديم؛ ستلتهمه النار حتى يصبح رمادًا في ومضة!
– سأراقبها لكِ.
– شكرًا.
– صعب أن تجد شخص تحادثه هذه الأيام. لا أحد يحلم؛ المدن مُعتِمة ولا أثر للحياة بين الناس عدا النفس الصاعد من البيوت في ليالي الشتاء الباردة. لكنني انتبهت لكِ. كنتي تحلمين؛ لذلك وجدتكِ.
– أنا أحلم؟ لم أكن أحلم؛ جذبك الضوء. يا الله، نسيت أن أقفل النافذة. ضروري أن أستيقظ. أيقظني يا أنت من كنت.
– سميني فرويد.
– لم تجبني. ايقظني.
– أنا ملاك النافذة الغربية، القمرِيَّة التي فوقكِ، وأنا أعتمتها ـ لا تقلقي.
– هل أنت هنا في غرفتي؟
– نعم، أنا دائمًا في نافذتكِ، على نافذتكِ.
– ورطتني في هذا المأزق! لا يسمح لي باستضافة رجال في الليل. ارحل بسرعة وإلا سنتورط معًا. إنها صارمة بشأن الأخلاق، المالكة ـ زوجة المالك.
– … لست رجلًا.
– لا يهمني؛ صوتك عميق بما يكفي. اخرج!
***
عاد العبد لكوخ الكد، لرفاقه في العبودية، للمشرفين على العمل والصقور الخزفية التي صفت على الأرفف، تحدق أعينها الشرسة بصانعيها: حشد من الرجال الصلع يعجنونها ويشكلونها من الطين الأسود.
كان الكوخ ساخنًا: طيور متوحشة كهذه لا بد لها أن تحرق في قمائن واسعة ليلسع اللهيب الأبيض الأجنحة الممتدة والمخالب المفلطحة المتفرقة.
أكمل عمله بصمت، يدهن الأعين بطلاء أصفر قبل أن يُرجِع الصقور إلى النار.
***
– لن أغادر مكاني، لا أستطيع!
– إذًا اصمت ودع الخادمة المتعبة تنم قليلًا!
– أحس بالملل…
– لست تلهية لملاك ضجر.
– ماذا كان حلمك؟
– ما هذا السؤال؟ ألم تقل إن حلمي أتى بك؟
– نعم، لكن عليكِ أن تصفيه لي.
– أريد أن أعرف من أنت؛ لم أعتد وصف أحلامي التافهة للغرباء.
– لكني لست غريبًا، أنا دائمًا معكِ.
– جميل جدًا! تستطيع أن تتسكع حول نافذتي، وتفكر أنك تعرفني، لكني لا أعرف أتفه شيء عنك. على حد علمي، ربما أنك خسيس، وتخطط أن تفعل بي ما يفعل الزوج بزوجته.
– اهدئي…
– لا تهدئني يا طيب. فهذه ليست المرة الأولى في تاريخ العالم التي يحاول أحدًا من جنسك بطرقه الملتوية الخبيثة أن ينام مع امرأة.
– اِه!
– ماري-صوفي!
– ماذا؟
– أرى هنا في الصفحة اليسرى أن العبد أنهى حفر طريق له تحت السياج المحيط بالمعسكر. دعيني أقرأ لكِ – ربما بعدها ستتذكرين حلمك…
– يا معين، بالله عليك أن تقرأ، على الأقل وقتها ستتوقف عن الثرثرة!
***
حينما أخرج رأسه من الحفرة رفرف غراب فوق الحقل الشاحب، ونعق: عيق! عاق! اختفى تحت الأرض للحظة، وظهر بعدها حقيبة وصندوق قبعات بغطاء أسود على طرف الحفرة.
***
– لا يشابه أبدًا القصة التي كنت أقرؤها…
***
خرج يزحف من الحفرة وتنفس بعمق. لم يصدق كم كانت رائحة نسيم الليل منعشة ومنشطة هنا في الحقل؛ محال أن يكون نفس الهواء الذي يغطي قرية الموت التي تركها خلفه مثل ضباب نتن.
***
– لا يشابه كتابي…
– لكن هذا كان حلمك.
– تمزح. كنت أقرأ قصة حب.
– استمرت القصة في حلمك حين نمتِ، وسارت في طريق جديد. قرأت الكتاب من الجلدة للجلدة من قبل، هذه نسخة جديدة. اسمعي:
***
لا وقت ليتأمل أفكاره عن السماء: إنه هارب. أخذ صندوق القبعات بحذر وتأبطه في يساره بشدة، وأمسك بمقبض الحقيبة وذهب في طريقه إلى الغابة، مغادرًا…
***
– مثلما يجب أن تفعل.
– إنه بالطريق إلى هنا.
– وما دخلي؟ من ناحيتي كل من أحلم بهم أرحب بزيارتهم. اذهب وابحث عن كتاب آخر لتنام أثناء قراءته…
– تصبحين على خير يا ماري-صوفي.
– تصبح على خير.»
أضف تعليق