حسين بلا ريش

حدق حسين في سقف غرفته، محاربًا للنوم والنوم يحاربه، وعرف أن ما يقلق مضجعه هي الذكرى الراسخة في مخيلته لما حدث مبكرًا في يومه عندما حاول بصدق وإصرار أن يقول “لا”. فكر حسين في هذه ال”لا” المعشعشة في جوف روحه رافضة أن تخرج أو حتى أن تطل ليقبضها من حلقها ويجرها للخارج ويلطمها في وجه أي شخص يتجرأ طالبًا منه أي خدمة أو عمل. هذه ال”لا” لم تكن كأي “لا” أخرى. هذه ال”لا” خائفة: ترجف، ترفرف، تحلق، توطوط، تثرثر، تقرقر، تبلبل، تغرد، تعاند، تعاني، وتعود تغوص في مكان أكثر عمقًا مرة أخرى في رحم ولادتها، الرحم التي لم تغادره منذ عامه الثالث عشر.

يعرف حسين بأن هذه ال”لا” ليست ب”لا” الجبن، رغم خوفها، وليست ب”لا” التردد، رغم خجلها، وقطعًا ليست ب”لا” القطع، رغم اصرارها ورغم سنين العشرة، أو كما يخبرها حسين في توسله لها في منامه حينًا وفي صحوه حينًا آخر “بيننا عيش وملح!” في محاولة بائسة خائبة مثيرة للشفقة ليخرجها من مقرها لتستوطن معه عالمه ويعيش، كما في خيالاته اليومية والليلية، “حياة طبيعية”.

الساعة الثالثة قرب مطلع الفجر والظلام يتضاءل ويخفت ويتناقص ويتباعد، فيبدأ الضياء يتجرأ فيتسلل ويتصاعد ويطغى ويشع. يستلقي حسين على فراشه متطلعًا في سقفه مفكرًا بما حدث مبكرًا وما عقباته وكيف يصحح ما فعله. كان الفعل شنيعًا، كان بشعًا، كان فظيعًا، كان خالٍ من اللباقة والأناقة، كان غبيًا، مغفلًا، أبلهًا، مهملًا أي عرفٍ يتطلب التقدير والتمحيص والتفحص والاحترام والتنظير. كيف له بأن يكون بهذه الحماقة والرقاعة والصفاقة وقل المعرفة والتصرف واللباقة؟

بدأ الأمر حينما قرر حسين أن يطلق عنان ال”لا” المستوطنة في جوفه وتطل من حين إلى آخر فتلقي نظرة سريعة، خافتة، خائفة، خاطفة للأرجاء فتعود في حينها إلى خلدها، حيث الأمان والدفء والطمأنينة والاستقرار وحيث لا تشغلها الأفكار، ذلك أن حسين يعرف أن قبول الأشياء فيه محاسن وفضائل وفيه يسلك المرء طريقًا بسيطًا سهلًا ممهدًا مسترسلًا فيه من دون توقف عدا ما يعيقه ويعرقله ويعطل حياته اليومية.

نعم كان حسين، وحسين كان نعم. لا يمكن أن يُذكر حسين من دون أن تذكر نعمه دائمة التواجد والتردد على شفاهه المتعطشة المتلهفة والتي تنزلق بسرعة الضوء خارجه حينما يُطلب منه شيء ما أو معروف أو خدمة. كان معروفًا ومتعارفًا على أن “حسين يلبي” وأن “حسين راعي فزعة” وأنه “مطنوخ” و”شقردي” و”هب ريح” و”طير شلوى”، وعلى استحياء يعترف حسين لنفسه أن هذه السمعة والألقاب تعجبه وقريبة من قلبه، فيهز حسين رأسه ويقبل برضا تام كما يبدو، فهو المشهور ب”ايه، معليك” و”ايه لا تشيل هم” و”ابشر” و”سم” و”من عيوني” و”ما طلبت شيء” والكثير من العبارات المتقلبة المقاربة لبعضها لكنها تعبر حقًا عن حسين المتلقي والمنساب والمتسق والمحايد لما حوله من دون أن يقطع السردية ويعطل سير الأحداث.

يفكر حسين غالبًا “ومن أنا عشان أقول لا؟” وهنا بدأت الحكاية. أو ربما هنا مصدرها. أو على الأرجح هنا روح وجوهر وفحوى صراعه الطويل المستمر المصاحب له في حياته كشخص بالغ عاقل ناضج. أو في الغالب هذا ما كان يظن عن نفسه.

حدثت لحسين، وهو في الثالثة عشر من عمره، أشياء محورية جوهرية بالغة الأهمية غيرت من مسار حياته للأبد. من ضمنها كان حدثًا أو حلمًا أو أضغاث أحلام أو كابوسًا. يظن حسين أنه كان هلوسة. ففي هذه الحالة الضبابية والتي تبتعد كل يوم عن واقعه وتهرب لتختبئ خلف سرب من الذكريات. على سبيل المثال، توارت هذه الواقعة في غمر الذكريات ذات مرة خلف ما حصل له حينما كان في الرابعة من عمره حينما وجد فرخ عصفور مصروعًا في ساحة بيته من شدة الحر وعرف حسين حقيقةً بشعة مقززة مقرفة تغلف الأشياء وتطغى بسلطتها العارمة والغامرة على كل شيء فيه حياة وكل شيء ينعشها ويعطيها رونقها وتألقها الخاص الحي النابض.

لا يتذكر حسين ما حدث فعلًا لكن مازال الشعور موجودًا وكأنه يرى صغير العصفور المصروع تحت شمس تلتهب أمامه الآن وهو يتراقص في وجود آخر لا يمكن أن يتواجد في العالم الذي يقبع فيه حسين. يظهر فرخ العصفور الآن ويتوسط منتصف مخيلة حسين. جثة هامدة، جامدة، ميتة، لا تربطها أي علاقة بالحياة ولا تكترث لحرارة الشمس الحارقة التي تحفها من كل الجهات، وكأن الظلام الذي سرق نور الحياة مازال ينهش جثة الطير الضئيلة العارية من الريش. أسكنت هذه الحقيقة في مخيلة حسين فكرة ساذجة جدًا في طفولته. لسنوات عدة كان حسين يتعرى أمام مرآة الحمام ويتفحص ويدقق ويركز في أنحاء جسده عن كثب، كمحقق يبحث عن دليل دامغ قاطع، باحثًا عن الريش الذي سينمو من أطرافه ليغطي جسده كاملًا. كان يظن ذلك الطفل أن مصرعه من حر الشمس وبطشها قريب جدًا لو لم ينمو الريش من جلده. فكان يفكر أن الملابس هي الشيء الوحيد الموجود لحمايته ولكنه لن يستطيع الاعتماد عليها طوال عمره، فالملابس تكلف والديه وتكلفه الكثير من المال، وحتى لو كانوا يملكون المال الكافي من يضمن له أنها ستقف في وجه حرارة الشمس؟ ومن هذا المنطلق المعوج الأعرج الساذج خرجت عقدة خلع الملابس، فحسين لا يتعرى إلا في الأماكن المغلقة والمحصنة وفي الغالب لا يخلعها بشكل كامل. ومن المنطلق ذاته جاء خوفه من السقوط ميتًا في أي لحظة. خصوصًا أنه في عز شبابه الآن وحتى هذه اللحظة لم تنمو ريشة واحدة على جسده.

وها هو حسين البالغ الناضج العاقل الخائف المرتجف القلق يتواجد في عالمه لكي ينساب مع هذا الجمع الغامر. يقول حسين نعم لكل شيء، حتى لو سألناه أن نسرد قصته بشكل مختلف وربما مغاير وربما محايد ومغامر في الوقت ذاته لوافقنا الأمر بلا تردد أو معارضة. فحسين سيزيف، غير أن الفرق الوحيد أن الآلهة لا تعاقبه، لكنها ببساطة سألته “هل تريد أن تدفع حجرًا إلى أعلى الجبل ليسقط مرة أخرى فتعود تدفعه للأعلى مرة أخرى كل يوم وللأبد؟” فلم يقدر على أن يجيب لا.

معضلة الأمر كله تكمن في حقيقة أن حسين لا يقدر أن يخرج ال”لا”. حاول وكرر المحاولة لكن من دون جدوى. حتى عندما يقف أمام المرآة، مكانه المفضل للتدرب على أي شيء ليفعله لاحقًا، لا يستطيع أن يلفظ الكلمة بشكل كامل.

الآن يستلقي حسين في فراشه ويفكر كيف أن الأمر كله بدأ حينما قرر أن يقول “لا”. ابتدأت المعضلة حينما وصل لمفترق طرق أخلاقي، فعاد السؤال ذاته يتكرر “ومن يستحقها؟” تمنى حسين، بكل ذرة من جسمه الضئيل المتآكل الخالي من الريش، أن هناك من يستحقها. إنها ال”لا” الأولى الجدية والحقيقية والقاطعة في حياته. هذا خطب جلل، هذا أمر لا يستطيع المرء أن يستخفه فليفظ ويرمي الكلمة على أي شخص وبأي اتجاه. هذا أمر يغير مسار ومدار ورتم الحياة.

كان حسين يتعجب ويستغرب ويستنكر وينصدم حينما يسمع محمد عبده، كمثال، يغني الكلمة بكل طرب وشجن وبحرية تامة أمام جمهور كبير. فيصدح صوته بال”لا” وكأنها لا تعني شيء. ومحمد عبده لا يقولها مرة واحدة فقط، لكن عدة مرات، وكما استنتج حسين أن كلما زاد محمد عبده بتكرار الكلمة زاد طربًا وازداد الجمهور هيجانًا. ينظر حسين لشاشة التلفاز أمامه ويسمع محمد عبده يرفض أن تعود الرسائل أكثر من مرة، فيصر على حبيبته “لا، لا لا لا لا، لا تردين الرسائل، وش أسوي بالورق؟” وكل ما يشغل فكر حسين كيف لهذا المغني أن يضيع ال”لا” بهذه السهولة والاستخفاف؟ وأيضًا يعتبر السبب سخيف في رفضه بإعادة الرسائل، فتصريف الورق سهل وبسيط جدًا (يستطيع الشخص أن يحرقه أو يعيد تدويره كمثال)، فهو أسهل وأبسط من قول “لا” عشر مرات على الأقل.

فكر حسين بجدية عدة مرات أن يحضر حفلته أو أن يجد طريقة للتواصل معه ليسأله كيف له أن يكتسب هذه المهارة؟ ليس فقط أن يقول الكلمة بكل أريحية وسهولة وبساطة ومرونة لكن كيف له أن يصدح بها بكل ثقة واعتزاز وحتى طرب؟ لكنه استوعب بعد فترة من سماع الأغنية ذاتها مغناة من أكثر من مغني، أو حتى أغاني مختلفة تستعمل “لا” وتكرارها كأداة طربية، أنه على ما يبدو هذه مهارة تأتي مع كون الشخص مغني. فربما ليس على المغني أن يكون صوته جميل فقط لكن عليه أن يمتلك الشجاعة الكافية ليغني ال”لا” شجنًا وطربًا. لكن حسين كان يعرف أن صوته بشعًا، فحتى لو كانت لديه المقدرة على لفظ ال”لا” عدة مرات متتالية فلن يصبح مغنيًا.

لكنه يعرف أن الأمر لا يقتصر على المغنين فقط. فمديره في العمل أكثر شخص يقول “لا”. كان متمرسًا في قولها لدرجة أنه يقولها قبل أن تكمل سؤالك. مهارة عجيبة وغريبة وعالية ومبهرة في الرفض. فيأتي له الموظف ليطلب إجازة على سبيل المثال: “أبو علي، والله أنا حصلي ظرف وودي…” وقبل أن يكمل الموظف طلبه يسمع صدى ال”لا” في أركان المكتب كله. “لا” المدير قطعية، لا تردد ولا خوف ولا خجل ولا رجعة فيها. كان حسين يعي أنها مهارة متطلبة في أي شخص يصبح مديرًا. فربما لهذا السبب ما زال حسين يشغل الوظيفة ذاتها وعلى نفس المكتب الذي يقطن فيه لثمانية أعوام. الغريب في الأمر أن مدير مديره اكتسب مهارة متقدمة في قول “لا”. كان يقولها بطريقة بهلوانية خداعة تنم عن ممارسة عميقة ومطولة في هذا المجال الخصب. فمن الحيل اللائية التي كان يمارسها حينما تأتي إلى مكتبه الواسع الضخم المنمق الذي يستطيع فيه أن يجعل مساحة بين مكتبه وبين الأثاث المتبقي فتجلس على مسافة منه وتطرح تساؤل أو شكوى أو حتى محاولة للحديث عن شيء ما يقلقك في الشركة فيقف مدير المدير والابتسامة تعلو وجهه فيقترب إلى جانبك ويمد يده، وفي هذه النقطة تحتم عليك الأعراف أن تقف لتصافحه، فيصافحك ويمشي بك إلى باب المكتب، وفجأة تجد نفسك خارج المكتب لا تحمل أي غضب أو خجل أو وجع من ذلك الموقف الذي حدث، على الرغم أن ال”لا” صفعتك أقوى من صفعة الباب المغلق خلفك.

مستوى المهارة هذا كان حلم حسين، أن يكون مخادعًا ولعابًا وبهلوانيًا كفاية ليقول “لا” من دون أن يلفظها، أن يتجنب التصادم والمواجهة والمجابهة والمخاصمة. لكن هذه الخطة باءت بالفشل. فعندما فشل في نطق “لا” مبكرًا حاول حسين هذه الخطة من دون أي ممارسة مسبقة أو حتى أن يتأكد أنه يمتلك المهارة الكافية ليقوم بها. فمكتب حسين الخاص يقبع في مساحة للمكاتب الحديثة المفتوحة على بعضها، وحينما حاول أن يصافح الزائر ويغلق الباب وراءه، لم يجد مخرجًا ولا باب، لكنه وجد نفسه واقفًا إلى جانب الشخص يصافحه لفترة أطول من المعتاد بيد متعرقة وابتسامة متعبة وشجاعة مصطنعة ودرع هش ومتآكل من الثقة بالنفس فيعتريه الإحراج والخجل حينما يستوعب الموقف وأن كل هذه المساحة المحيطة هي مكتبه، فحس رغم كل هذا الفضاء الشاسع بالكتمة وضيق الصدر وأن أعين الجدران قريبة تراقبه وتحاصره وأفواهها تثرثر وتأكله.

وها هي دائرة تفكيره تعيده مرة بعد مرة لذلك الموقف المحرج الذي حدث مبكرًا ذلك اليوم. تلك اللحظة أبدية. ما زال يحس بالعرق الذي لطخ يده ويد الزائر. ما زال يحس بنظرات زملاءه من حوله تنخر عظامه وهم يخجلون منه وعليه. وما زالت نظرات الزائر المتوترة والمتعجبة والمستغربة عالقة في مخيلته. ما زال يحس بالصمت الكاتم الذي أتى بعد آخر كلمة قالها يغلف كل شيء حوله حتى أصبح مؤلمًا وجارحًا ومعذبًا له. وما زالت تطارده فكرة أن كل من شهد اللحظة يكررها على أشخاص جدد فيضحكون على بلاهته وغبائه وبلادته ومحاولته البائسة والفاشلة والمثيرة للشفقة بأن يصبح واثقًا شجاعًا ويرفض، وما جعلها أكثر سخافة وبلاهة وإثارة للسخرية هو أنه حاول بطريقة ملتوية خداعة مكارة كتلك ليعبر عن رفضه بدل أن يقول “لا” ويبرر ببساطة كباقي الناس.

هربًا من دائرة التفكير الدائري اللانهائي المفرط لجأ حسين لعادته السرية، فنهض من فراشه واتجه إلى الحمام. تلفت حسين في الأنحاء ودخل الحمام. أخرج رأسه من الباب قبل أن يغلقه ليتأكد مرة أخرى. ثم أغلقه. أخرج رأسه مرة أخرى وتأكد. لم يكن هناك أحد، فحسين يعيش لوحده. أغلق الباب. تأكد حسين من أي ثغر قد يُرى من خلاله. بعد أن تأكد، تعرى بسرعة هائلة وهو واقف، ثم توجه للمرآة. حدق حسين في جسده بتمعن. اتبع نظامه المعتاد: الجانب الأمامي، من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، الجانب الأيمن، من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، الجانب الأيسر، من قمة رأسه إلى أخمص قدمه، ثم الجانب الخلفي، من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. ثم يخرج مرآة صغيرة ويتأكد من المناطق العمياء التي لا يستطيع رؤيتها. لا شيء. جلس حسين على المقعد وأخرج العدسة المكبرة الجديدة التي اشتراها قبل شهر (اقترحها الموقع الذي اشترى منه العدسة الكبيرة التقليدية السابقة مشيرًا بأنها تُكبِر بأكثر من ٤٠ مرة وبخصم يصل حتى ٣٠٪). وضعها على ذراعه الأيسر وحدق. لا ريش. شعر يتكاثر على جلد هش. وضعها على فخذه وحدق. لا ريش. شعر أسود ومسامات. وقف حسين وذهب للمرآة. قرب العدسة وحدق في وجهه. لا ريش. وجه متعب وسواد أرق. عاد للفراش يجر جسدًا خاملًا متعبًا خالٍ من الريش.

عاد حسين يحدق في سقف غرفته، في الظلام، مستسلمًا لقدره. يحاول تارة أن يجد مخرجًا من هذا الفضاء الشاسع الخانق، وبلا جدوى. تعود أفكاره. متى بدأت هذه المعضلة؟ كيف يستطيع أي شخص أن يكمل عمره بلا ريش، هكذا، بكل هذا العري أينما يذهب لا تحميه غير ملابسه؟ يستوعب حسين سخافة فكرته، فلا أحد حوله له ريش، أو هكذا يبدو له… ربما كان تحت الملابس، ربما يكون ريش خفي… تعجب حسين من الفكرة! ربما أن ريشه خفيًا كذلك؟ ربما هذا السر الذي لم يطلعه عليه أحد. ابتسم ابتسامة واهية وفكر: ربما… ربما الخلاص قريب. بعد أن عاد الأمل، سكنه النوم فغاص في نوم هانئ.

استيقظ حسين على فراشه في وسط غابة يغطيها الضباب. أشجار عالية تلامس السحاب وطرق ملتوية لا يتضح مداها وظلام يغلف كل شيء حتى يكاد لا يرى نفسه. من عمق الغابة ظهر العملاقان يقطعان الظلمة والضباب. كان العملاقان يشعان بالضياء، فأتضح لحسين، المتردد الخائف الواقف في مكانه، أن النهار أتى وظن أنهما الشمس والقمر. لكن ما أن ظهرت الأوجه المشعة حتى عرف في لحظتها الألفة الراسخة في قسماتهما، فاشتعل فرِحًا. رفع حسين يداه للسماء، راجيًا أن يراه أي من العملاقين، وهذا ما حدث. نظر له الذكر العملاق ورفعه من قاع الغابة وأقعده على كتفه. نظر حسين عن كثب للوجه فتذكر الوجه الذي ألفه حقًا من الصور ولم يتذكره كثيرًا من معاشرته حينما كان طفلًا. هذا بلا شك وجه أباه، الذي فقده في عامه الثالث. وبجانبه، الأنثى، أمه التي فقدها وهو في الثانية عشر. غمره الأمل والفرحة والألفة والدفء. عاد كما كان طفلًا يقفز من الفرحة فكاد أن يسقط من على كتف العملاق، فصاح به: انتبه يا ولد! تغير وجه العملاق لغضب عارم. تجهم وجهه. صار الوجه يتقلب بين ابتسامة وسكون وظلمة قاتمة. تقلب وجه الأنثى بجانبه بين التوتر وابتسامة جافة وخوف… ذهب الأمل وعاد الصمت الموحش وعاد الضباب. “صغير ما يفهم” تمتمت الأنثى. عاد وجه الذكر لسكونه. ما أن ابتسمت الأنثى حتى أتى سرب من الطيور كسحابة سوداء عمت كل ما حوله فصاحت الأنثى بصرخة هزت الأشجار. صرخ الذكر بوجهها. سقط حسين من الأعلى في هوة يحيطها سواد الطيور وقبل أن يرتطم بالأرض صاح صاحيًا من نومه صارخًا في صدى غرفته “آآآآآآآآآآآ” من دون أن يقدر على أن يضيف لام الرفض لهذه ال”لا” الخائفة المرتجفة البدائية.

يشعر حسين بالخوف في عمق معدته، كما هي حالته شبه الدائمة بأن تمشي بطنه حينما يثقله الخوف. سارع حسين بالقفز للحمام ليفرغ ما يتحرك بلا توقف في بطنه. على الرغم من حالته التي يرثى لها، كانت أفضل أفكاره تأتي وهو يقعد على المرحاض. لا يشغل تفكير حسين شيء في تلك اللحظة، فيستسلم جسمه ويتراخى ويقضي ما يحتاج قضائه بتلقائية عالية ليس لها مثيل، فيصفى ذهنه ليفكر فيما يدور في حياته. تذكر حسين الأمل الذي أتاه قبل النوم. فكر بأن ما يحتاجه هو وهم الريش ما دام الريش الحقيقي يأبى الخروج، تمامًا كلاءه التي تلبث في أغواره من سنين عدة. امتلأ صدره بالثقة والعزيمة والإصرار واليقين. فعزم على فعلها مصممًا أن يخرج ال”لا” أخيرًا من أعماق جوفه.

فكر في خطته وقرر أن تخرج أمام الملأ في الاجتماع الذي سيقام اليوم مع مديره ومدير مديره. سيريهم أنه جدير بالإدارة من بعدهم وأنه يملك الشجاعة الكافية بأن يلفظ اللا أمام الجمع كلهم ليعارض أفكارهم ويصفعهم بها حينما وحيثما يريد. خرج أخيرًا من حمامه، عرينه الآمن، وأرتدى حسين أفضل ما عنده فوق أكوام من الملابس الداخلية. تأنق وكأنه ذاهب لزواجه.

بدأ الناس بالحضور لقاعة الاجتماع قبيل الحادية عشر صباحًا. جلس الجميع حول طاولة دائرية في أماكنهم المعتادة وتحفهم رائحة القهوة ويطغى الجو كلام عابر ومحادثات جانبية. جلس حسين في مقعد أقرب لرأس الطاولة من الجهة اليمنى عوضًا عن مقعده المعتاد في أسفل الجهة اليمنى في أفضل مكان للاختباء خلف بدن صالح السمين الذي يضمن له الحماية من النظرات والتعليقات والمشاركة. كلما مر أحد زملاءه نظر له باستغراب حتى أتى خالد (الموظف الأفضل لعامين متتاليين) ونظر إلى حسين بتعجب حالما دخل ورآه يقعد في مقعده المعتاد. أحس حسين بأن قلبه سيتفجر من شدة القلق والتوتر. ردد في نفسه “جسدي يغطيه الريش! أستحق المكان! أستحق أن أرفض! يستحقون اللا! جسدي يغطيه الريش!”. لكن سرعان ما استوعب أن قلبه ما زال ينبض برتم عالٍ وأنه بالكاد يمسك جسده من الارتجاف. جلس خالد في مقعد حسين القديم وظن حسين أن الجميع يتحدثون عنه في محادثاتهم الجانبية. نظر له صالح بأعينه الصغيرة في وجهه المدور السمين وكأنه ينشد عن هجره له وأن مثلما كان حسين يحتمي به كان صالح يستجدي من هذا الروتين التقليدي في الاجتماعات القوة على أن يتحملها. فكر حسين بأنه يقول لا الآن بجسده وفعله بدلًا من لفظها. رشف قليلًا من قهوته الصباحية واستعاد بعضًا من قوته ونفض حفنةً من ريشه الوهمي. قبل أن يصل مدير المدير ويبدأ الاجتماع فعليًا التفت له مديره وقال في نبرة تختلط بين التعجب والحنق: “حسين… فيك شيء اليوم؟ منت على طبيعتك”. ابتسم حسين ابتسامة جافة وواهية، محاولًا أن يظهر فيها الفخر والشجاعة المكتسبان من أمل الليلة السابقة، وقبل أن ينطق ب” لا…لا.. مافيني شيء” دخل عليهم مدير المدير يتمخطر نافخًا صدره كطائر حر يفخر فرحًا بصيده.

لم يعر مدير المدير التغيير في المقاعد ولا حتى حسين أي اهتمام، وبالواقع لم يلقي أي نظرة لأي من القاعدين إنما ألقى السلام وقعد في مقعده يترأس المجلس. مرت أولى الدقائق بطبيعية في سرد الأهداف السابقة والمتوقعة وأهمية رسم خطة مستقبلية للمشاريع القائمة والجديدة وسرد النقاط والأجندة التي ستناقش في اجتماع اليوم للسنة الجديدة. فرح حسين بعودة الطبيعية وأيقن أن هذا واقعه الطبيعي الجديد. تحسس حسين جسمه بحركة خفية ليتأكد من ريشه الوهمي وشقت ابتسامة رضا طرف فمه. استمر الوضع على ما كان عليه حتى لمحه مدير المدير. لم تتغير ملامح مدير المدير وإنما ابتسم ابتسامة العارف والساخر معًا. “أهلًا وسهلًا يا حسين، أخيرًا طلعت من كهفك وشفنا وجهك” قال مدير المدير باستهزاء واضح فضحك الجمع إما بصدق أو بزيف على شيء لم يبدو لحسين كنكتة تستحق هذا الكم من الضحكات… حتى صالح! حتى صالح قهقه واهتزت الطاولة. حاول حسين الرد لكن خاب مسعاه فأنزل عيناه إلى الطاولة ونظر في قهوته. من هول الصدمة، انقطع حسين عما حوله وراح يغرق في ظلام قهوته.

هز حسين اللا في داخله، محاولًا إخراجها وتحاول إخراجه، وعرف أن كل ما يملك، كل شيء، على المحك ويجب أن يحاربها ويلطمها ويصرخ بها ليخرجها وأن يحاول بصدق واصرار أن يقول “لا”. غاص حسين في بحر أفكاره وغاب عما حوله وراح يناقش ويجادل ويتحدث مع ال”لا” المعشعشة في جوفه. تارة يستلطفها وتارة يهددها وتارة يستسلم لها.

استمر الاجتماع وكأن حسين لا وجود له وكأنه لم يهان بهذا التعليق الجارح. استمرت التعليقات على مقعد حسين الجديد كلما سنحت الفرصة فصار الجميع يتصيد الفرصة ليهمز ويلمز في جو ظريف طريف. تلقى حسين هذه التعليقات كفرخ مصروع ملقى وهامد في حر الشمس غير قادر على الحراك أو المقاومة. عاد شكه وتردده وقلقه وتوتره المعهود فكبر ونما وكثر كلما زادت وترددت وتكررت التعليقات الساخرة الضاحكة.

عاد حسين للواقع حينما سقطت قطرة عرق على سطح الطاولة البني. ظن حسين أن الجميع رآها وأن الجميع عرف انهزامه وضعفه وتوتره وقلقه ورأوا العرق يتصبب من جبينه. قفز حسين من مقعده وصرخ “لللللللل!” نظر الجميع ناحيته باستغراب وصمت يراقبون وينتظرون ما يحدث. “وش فيك؟” قال مدير المدير، وحالما قالها أمسك مدير حسين بطرف ثوبه وجره للأسفل محاولًا أن يرجع حسين لمقعده. “ل!” حاول حسين مرة أخرى. “ل! ل! ل!!!! لــ!!!!!!” تلعثم حسين في أول لاءه وكان قريبًا من حلمه وحياته الطبيعية ألفًا واحدة فقط. تمتم أخيرًا بتأتأة “ل!! أبقول لـــ…. ابي أقول لـ، لــ، لــ… ابي أقول يعني إني أرفض!” كانت الأعين في الغرفة الصامتة تأكله بنظراتها المستغربة والمصدومة والمتعجبة تحت حواجب معقودة ومرتخية ومرفوعة. قال مدير المدير: “وش تقول أنت؟ وش ترفض؟ انجنيت؟” غمر وجه حسين الخوف المتعرق المتوتر وعرف أنه بلا حيلة ولا ريش. قال أخيرًا: “اللي تقولونه أرفضه…” فرد مدير المدير بنبرة بدأ يغمرها الغضب: “ترفض إنشاء لجنة لمتابعة الأداء الوظيفي لكل موظف؟” سكت حسين للحظة يحاول أن يركض وراء أفكاره ونبض قلبه في كل هذا الظلام المحيط وقال: “لـ..لـ..لـ… ا… أرفض! أرفض كل شيء… كل شيء!…” تعالت أصوات الضحكات المترددة الغير واثقة في غرفة الاجتماع الضيقة الخانقة وتضخمت الضحكات بوضع متتالٍ حتى قاربت أن تصيب حسين بالصم وأكلت النظرات الناقدة الساخرة من جسد حسين حتى ظن أنه يتلاشى. أحس حسين بأنفاسه تضيق وبصدره ينقبض وبعرقه يبرد وببطنه تتألم وتمشي. “اجلس اجلس يا حسين ونتفاهم معك بعد الاجتماع”. أحس حسين برأسه يدور والغرفة تضيق والألم ينتشر لرقبته وذراعيه فحاول أن يرفض الجلوس: “لـ..لـ….لـ……”. وكعصفور هش ضئيل منكسر محترق تحت حرارة الشمس يموت وحيدًا وبلا ريش يحميه سقط حسين كجثة من غمرة الإحراج، حالمًا بحياة طبيعية يتوازن فيها حسين الطبيعي بين النعم واللا.

أضف تعليق