مرة قال لي حارس الوجود: “إني أراك”. فهممت أجوب الديار على وجهي، قاصدًا ذاك المقال. لا أعرف لو كان صادقًا في قوله. هذه هي الدورة العاشرة-أو الثانية عشر-من الحياة. قالت لي عائشة ذات مرة، حينما كانت تعيش دورة الحياة كمتشردة في الشوارع أن غضبي يجب ألا يكون تجاه السماء. لم اسمع لها، نسيت كثيرًا مماقيل في تلك الليلة. الآن، أنا الماثل أمامكِ، أعيش في حِجر الوجود كما كنتي. في أي دورة حياة قيل لها أن الوجود مرآة؟ لم تجبني، فقد غفت في أقرب ظلال في الليل، تحجب نفسها عمن كان يمتص روحها طالبًا المساعدة. ذهبت ألوب البيوت، أجوب الصحاري. خًلقت يومًا طائرًا، فشققت الريح بأجنحة من ريش. اتأمل الآن تلك الحقيقة، كيف للريش أن يُخضع الرياح تحت سلطته؟ لكنني حقًا فعلت. كنت أجابه الريح وأقلع للسماء، لكن خسرت. مهما كان عدد الأجنحة التي تمتلكها، بوابة السماء ستكسرها جميعًا. عشت في تلك الحياة تحت ظل أمي، وخلف جناح أبي. كان أخي الصغير، من الحياة الأولى، تمساحًا، وحاول أكلي. لم أعرفه حينها فرفضت أن أموت لكي يعيش، فمات أخي الصغير جائعًا ليصل للحياة الأخرى سلطانًا طاغيًا. لم يعرفني هو في الحياة التي تليها. “كل الوجود ضياع” قال لي السجين الذي شاركته الزنزانة. كان شاهدًا على الخلق، وكنت أنا موحدًا. لم نتعارض كثيرًا، غير أنه كان يؤمن بحريته في شهادته للوجود، وأنا أطالبه بأن يضحي ويعود للوحدة. قابلته بعد عدة حيوات، عند باب حانة في ديار غريبة علينا كلينا، بعد خامس كأس تمتم “كل الوجود وجود” وضحك حتى تقيأ دمًا ومات. هكذا كانت حياته في تلك الحياة.
أمي لم تعد لثلاث حيوات متتالية. لم أجدها عند باب بيتي كما كانت تفعل حينما كانت العاهرة التي أدفع لها مقابل أن تسمر معي في المساء. طلت من شباك سيارة عابرة وصاحت “يا ابن العاهرة!” في سادس حياة للسيارة. “كل الوجود سيارة” سمعت ذاك الصديق-نعم، هو صديقي الآن- ينادي من أرض المعركة في الجانب المقابل للحياة. فهمته في هذه المرة. كان بغرابة يتلبس جلد أخي الصغير، وكان أبي يقف حارسًا على كتفه، رأيته فعلًا، كملاك بأجنحة تقص الريح وتكسر أبواب السماء. تلك كانت المرة الأخيرة التي رأيت بها أبي. لابد أنه وجد أمًا أخرى، وأخًا آخر، وصديقًا وابنًا وصاحبًا ورفيقًا وحبيبًا وخليلًا ونديمًا، وكل شيء آخر يحتاجه المرء في دورة حياته.
أبحلق في دوامة آلة الغسيل الآن. الزمن كان في السنة الثانية عشر ألف بعد الخمسين. الوقت كان في الحادية عشر مساءًا. المكان كان في مبنى يطل على صحراء فيها حصان واحد يجري من حدٍ إلى حد، من دون خلاص، لأن الماء كان في الغسالة ليغسل ملابسي. لا ماء في الصحراء. حدق الحصان في عيني، فعرفته. هذا أخي الأكبر الضائع قبل ألفية. أم أنه كان أبي يتربص في عجلات الوجود ليهدم شيئًا ثمينًا من مكانه فوق الغيوم؟
لم أعرف كيف أفتح باب الغار ذات مرة، النبوءات كانت هناك. فمات أقوام وأقوام وأنا كنت السبب لأن في عقلي، حينما كنت غزالًا لم أعرف كيف يقوم الإنسان بأي شيء لكنني رأيت القفل ورأيت كيف يفتح ورأيت الفشل، فوثبت في مكاني، أعيني الغزالية يملؤها الفزع، وانقض علي النمر الذي يطاردني، وانعكس في عيني صورة الصقر الذي كان يسافر فوقنا في أعالي السماء ينتظر حصته. أعرف كلاهما، فلا بأس بموتي حينما يعيش من أحب.
“إني أراك” همست لطفلي وهو يختبأ خلف باب غرفة أخته ونحن نلعب الغميضة. في تلك اللحظة، كنت سعيدًا، ابني كان يضحك، أخته كانت تختبئ في مكان ما، أمه كانت تصنع العشاء، الكل على مايرام، حتى رأيته. رأيته يتربص من تحت سرير طفلتي. كان يحمل خنجري حينما كنت في شوارع تلك المدينة العريقة. كنت بائعًا متجولًا حينها، أبيع المتعة والأمل، وكنت أصنع العروض حيثما ذهبت. البعض ظن أنني ساحر، لكن لم تكن تلك الحقيقة. كنت أعرف سر الوجود في تلك الحياة. كنت بارعًا بها. لم أصل بوابة السماء بعد، لكنني اخترقت الأرض حتى وصلت عالمها السفلي. كنت أعرف شيئًا من الغيب، وكان خادمي، جلابيل، يغار مني. أخرج الخنجر وطعن رقبتي لكنه مات هو. “الوجود عبث وسخرية!” قالها والدم يسيل من فمه. لم أمت في تلك الحياة، لكن تلك الطعنة قتلت وجودي الأول. وهاهو ينظرني بوجه موشحًا بالدم واللعاب. كان وجوده ظلالًا في هذه الحياة، وكنت أنا زوجًا ووالد طفلين. لكني أصبحت ظلالًا في وضمة. وهو أصبح زوجًا ووالد طفلين. “العالم السفلي ظالم وقبيح” صحت من تحت السرير، ولم يسمعني أحد.
أنا شيطان صغير في خدمة شياطين النار، اسمي جلاد الرحمة، لأنني كنت ألسع الوجود في عقر داره لسعةً واحدة فيسقط، فلا أجلده بعد ذلك، مثلما تفعل الشياطين الأخرى.
رأيت عائشة مرة أخرى، لم تكن هي هي، فلم تكن تجوب الشوارع ولم أكن ألوب الوجود. كانت رئيس حزب وكنت النائب. خرجنا للعشاء مرة، بشرتها كانت ناصعة في هذه الحياة، وبيننا كأس واحد من النبيذ، كل شخص يأخذ رشفة، لكن العطش كاد يقتلني فخلصت الكأس في جرعة واحدة. تفككت أمام ناظري، قطعة قطعة، وذهبت مع النسيم القادم من مرور الآخرين.
عاد حارس الوجود في وجود آخر، وقف فوق رأسي يتمتم “وماذا تريد الآن ياسيدي الوالي؟” فلم أعطيه جوابًا. كانت جيوشي تقف أمامي تحجب الشمس عن مكان جلوسي. حركت يدي فمالت الشمس ذات اليمين وذات الشمال وأحرقت من تحتها. تمتم خادمي وهو يسقط “سيدي، الوجود رماد.” فهبت زوبعة نقلتنا نحو السماء.
هاهو أخي الصغير غيمةً أخرى، وأنا غيمة. أمطرنا الأرض. صعقنا الأرض وبرقنا بحثًا عن أمنا. كانت أمنا شجرة، في أرضٍ جرداء، تمد الوجود بظلها وتحترق. أتينا فوقها وأمطرناها، ولا نعرف حتى هذا اليوم لو عرفت أننا كنا نرد الجميل.
تذكرت حينما كنت أقود طائرتي في عمق السماء، في سنين عاد فيها الوجود لما كان، تذكرت في الوجود الأول، قبيل دورة الحياة بلحظات، أن الحارس على الوجود حينما قال لي “إني أراك” قد كان أعمى. صابني الخوف في أضعف نقاط جسدي، فسقطت أنا والذكرى معًا.
“أيها الغريب، لا تبكي على الهجر، تعال معي” فأخذني من يدي ذاك القرين الدائم ودلني حيث وصلت الآن. همس في أذني “أيها الغريب، الوجود ظلام، فكيف لأي من كان أن يرى؟”
أضف تعليق