أرض الشمس والسراب

١

سرب من الذباب يجوب المكان. الطنين كان مزعجًا في بادئ الأمر لكنه أصبح واقعًا مستمرًا مع مرور الوقت. موت جراح لم يكن كذلك. مازال الواقع الحتمي يبدو كحلم ينتهي ثم يعود ويغمره الغبار. مازالت جثته الغارقة بالدماء مستلقية تتألم وجعًا بلا حياة ويغطيها الرمل. تحت كثبان الرمل تُرسم ملامحه المرتخية والمستقرة، وبعينين مغلقتين ينظر لداخله. لم تعد عيناه تتطلع توجسًا وخيفة من أيادي الشر التي تمتد في هذه الصحراء القاسية لتلمس أختيه الصغيرتين، واللتين لطالما كانتا كذلك. الآن يستلقي جسده مستسلمًا رغمًا عنه لكل ما تحمله الحياة من احتمالات.  ربما لو عرف ذلك وكان بمقدوره أن يناقض الواقع وقواعده لأنتفض من رحم الموت غاضبًا وعاث بالصحراء قطعًا وتجريحًا لينتقم منها. فلطالما أحس بكره مقيت تجاهها وتجاه قدره الذي جعلها موطنًا له وهو شاب في مقتبل العمر، ولطالما شعر بغضب تجاه أختيه بلا ذنب منهما لأنه حمل المسؤولية على عاتقيه أن يدفع حياته التي ضاعت هنا لحمايتهما. وها هو ذا يحقق ما رسمه القدر بمكرٍ وتروِ. كل حياته تقود لهذه اللحظة. أن يسقط صريعًا بين أيادي الشر بلا قدرة منه في أن يرفض، لكنه كان يصارع، نال شرف المقاومة. لقد طعن خاصرة الشر قبل أن يخرّ إلى الأرض بلا حراك عدا تحركات بسيطة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

كان الذباب يحوم في المكان سعيًا في أن يأخذ غنيمته من كلتا الجثتين. على بعد أمتار كانت تستلقي جثة ذاك الرجل الغريب، ترتدي السواد كسواد أفعالها وتغمرها الدماء. كلتا الجثتين على هذه الحالة من قبل غروب الشمس، ومن خلال الليل كاتمًا أنفاسه، والآن عندما يقترب الصباح مرتقبًا أن يتنفس ليعيد الأمور لمكان أكثر راحة.

لم يتزحزح شيء قيد أنملة، عدا حصة التي كانت تجوب المكان تنقل حرقتها من مكان لآخر وتركل جثة ذاك الغريب لعلها تُخرِج ذاك الغضب. في بادئ الأمر التهمت الصدمة حصة بشكل كامل. كانت تجلس إلى جانب جراح تحاول أن تمسك دمًا ينساب من بين أصابعها، ثم من خلال جلبابها وإلى الأرض. ذاك الدم الغالي الثمين، الذي بقطراته المتتالية يربطها بالمكان، لن يعود. ففي الصحراء عندما يراق الدم لن يعيده شيء إلى ما كان عليه، مشابهًا لكل شيء آخر هناك. جراح لن يعود. الحياة هنا لن تعود كما كانت. هاجر التي كانت منكبةً على وجهها بجانب جراح طوال الوقت لن تعود كما كانت. هنا، بسبب حدث يحدث بعبثية كاملة ومحض مصادفة، كل شيء يأخذ مسارًا مغايرًا. تنزع الصحراء قناعها القاسي ليخرج ما هو أعتى وأقسى. هنا طغيانها يتمدد بلا أن يكون لأحد المقدرة بأن يغيره. فأين الوعد الذي أعطي لموسى؟ أين وعد النار المضيئة وذاك الموطن حيث لا تطأه النعلين لطهارته؟ هنا ليس هنالك سوى الوحشة والبرد وجثة جراح التي تزداد وحشة وبرودة مع تقدم الليل. تجوب حصة المحيط وترتعش كذبابة قلقة وتصيح “والله ما يروح دمك هدر يا خوي” وتعود لتركل جثة الغريب الهامدة. تحترق النار في داخلها تجاه كل شيء. جثة الغريب العفنة، الصحراء وطغيانها، عدم اهتمام محيطها والسماء، وذلك الوعد المخادع. كل ما يوجد هنا هو غربة تمتد كامتداد الصحراء وتكثرها قسوة. أفكارها تأكل بعضها البعض فلا يتبقى شيءً واحدً غير الحقيقة الواقعية الخشنة التي تحيطها. أين المفر من كل هذه الغربة؟ من كل هذا الصمت والظلام الذي لا يريد أن ينقشع؟ وماذا تفكر به هاجر في هذه اللحظة؟

هاجر هي الأخت الصغيرة، تحمل البراءة رقصًا من خلال الوجود. لم تر الدماء بهذا القرب من قبل، فهي لم تصل لذاك العمر بعد. كان الاهتمام في العائلة يندرج كماء ينهمر على سفح جبل. كان جراح يهتم بهما، بحصة تحديدًا، وحصة تهتم بهاجر. لطالما أحست حصة بالأمومة تجاه هاجر فهي تصغرها بسنين عدة. كانت حصة تخفف وطء قسوة جراح التي تأتي من فترة لأخرى كتنفيس للغضب. فالغضب أحيانًا، مثل الاهتمام في هذه العائلة، يندرج بالاتجاه ذاته. غضب الصحراء ينصب بكامل قوته على عاتق جراح، فينساب إلى حصة ومن ثم إلى هاجر، تمامًا كعدوى. هاجر تخرجه على الصحراء، فتركل حجر في مكان ما، أو حيوان حينما تصادفه، أو قاع الأرض نفسه. تنفض الغبار وتلعن الوجود وهؤلاء الذين مروا من خلاله. لكن هنا الآن من تركل؟ وهل سيفيد الركل؟ من يخمد براكين الغضب والحزن الغامرة؟ كانت تفكر أن ركل حصة، عندما تكرر خلال الليل، مجرد عبس في وجه الوجود. وماذا يفيد العبس؟ الدم قد بدأ يجف وجراح نفسه، أخوها كما تعرفه منبعًا للحياة، قد جف وانطوى على نفسه وأدبر عن الوجود متجهًا لمكان ما. تأخذها تلك الأفكار الطفولية، ومثل حصة تأكل بعضها البعض. ما أن تظهر فكرة كصورة أو انعكاس لقسوة الواقع حتى تنطوي وتختفي وتنطفئ وترى جثة جراح. لكنها تفكر أين ذهبت الحياة؟ هل يضحك جراح على طُرفها الطفولية في مكان آخر الآن؟ أم هل سيجد أخت صغرى أخرى تنتظره هناك؟  لكن حالما تأتي صورته ضاحكًا، غاضبًا، أو نائماً، حتى تستبدلها الصورة التي تنعكس على لوحة الواقع الآن وتراه ينظر لها بعينين تشع بحياة تقاوم وتصارع ثم تنطفئ وتفقد حرقة الحياة. وهل يا ترى تشع في مكان آخر؟

أخبرها جراح ذات يوم عن نظرته للحياة. “في الصحراء.. يا هاجر، مثلها مثل كل مكان بهالديار. القوي يأكل الضعيف، الذئب يأكل النعجة، وأنا إن شفته اقتله ملعون الوالدين. وأنا والناس اللي حولي نحاول نأكل بعض والطيب منا يروح للأكل بس وما يتعرض خلق الله، وكذا تمشي الأمور. وفوقنا كلنا رب العالمين، على عرشه، يعدل ويحكم.” كان يسند سيفه على كتفه، ويسند ظهره على عماد الخيمة. يتراجع حينًا وينغمس في أفكاره وينظر من خلال الليل. وحينًا يحكي لهاجر عن قصص قد سمعها ذات يوم أو مر بها. تستمع له هاجر بلهفة الأطفال وتكبر عيناها الواسعة حينًا وتصغر حينًا من الخوف. وفي كل مرة، مثل توقيت القمر والشمس في ظهورهما، تظهر حصة وتقول “بس سواليف. خلونا ننام شوي. ورانا قومة من الجهمة.” في الليالي الهانئة يضحك جراح ويقول “عز الله هذا أنتِ يا حصيص، شايلة هم الدنيا فوق رأسك. اللي يشوفك اللحين يقول أنتِ اللي بتقعدين الشمس من نومها… بس ايه والله إنك صادقة قومي ياهجوره نامي تأخرتِ كثير اليوم واتركيني أنا وهواجيسي نونس الليل.” تذهب كلتاهما للنوم ويبقى جراح يصادق الليل ويؤنسه. ينام لساعات قليلة عند مطلع الشمس، وحينًا عند انتصاف الشمس. لكنه كان نومًا توقظه أي نسمة هواء توحي بعاصفة. فجراح اعتاد أن يتوجس خيفةٌ من أي عاصفة، مهما كانت. أما الآن فالنواح لا يوقظه، ولا هزّات الرجاء. غارقًا في مكان ما. لكن كلتاهما تعرف أن لو كان هناك شرارة نار صغيرة بقيت في روحه لأنتفض واستقام يجول المكان ويحكي قصصًا ويسافر بأفكاره من خلال ظلمة الليل. لكن روحه تحرس مكانًا آخر. وهنا يصدمهما الواقع. من يحرسهما من ظلام الليل؟ من ظلال العابثين وتوجس الشر؟

 

 

٢

أخذت الشمس بالظهور على استحياء كأنها أكثر خجلًا من أن تبشر بقدوم يوم جديد وأن الزمان يمر ويستمر، كأنها أرادت أن تعطيهما بعضًا من الوقت في الظلام. لكنها ظلت تمد الأرض بدفء يديها وتحتضن الجبال والسهول والأشجار وتبخر الأنفاس الغاضبة والمنتعشة على حد سواء. فكانت تختبئ في بادئ الأمر خلف كثبان الرمال رحمةً على أولئك الغارقين في نومهم في الظل من بطشها. لكن الإشراق لابد أن يحين يومًا وينيرنا إلى سبلٍ حيث نجد ما نحن عليه. تحت وهج الشمس نرى انعكاس أنفسنا ولربما نبصر.

كان الظلام ينقشع وعادت الصورة أكثر واقعية من أي وقتٍ مضى. بدأ النهار يرفع الخمار عن الفاجعة والوجع وبدأت الشمس تشير بأنامل شعاعها الدافئ على كل تفاصيل الواقع وتقاسيمه. فالدماء، كلما امتد شعاع الشمس، أصبحت أكثر احمرارًا. كل التفاصيل القبيحة أصبحت أكثر ظهورًا الآن والواقع أصبح كحائط لا يتزحزح وأكثر صلابةً من ألا يلاحظ. ظهر ما سترته ظلمة الليل وظهرت حصة ورأسها بين يديها، كأنها لا تريد أن تصدق أن شعاع النهار ظهر بهذه السرعة، جالسة عند قدمي جراح، أما هاجر فمازالت تحمل رأس جراح الخامل في حضنها وتداعب شعر جراح وتحاول ترتيبه. تنفض التراب عنه وما التصق به من دماء. كانت تفعل ذلك وكأن بعضًا من الحب والاهتمام سيعيد الحياة فيه، لكن حدة الواقع أقسى من أن تخضع لأمنيات القلب. ومع ذلك، يبقى القلب يخفق ويحلم ويتمنى رغم كل ما يحدث. الحياة تشق الطريق وتستمر. تظهر شمسها وتخفي الظلام، وتحرك الرمال برياحها الصباحية الناعمة، وتلمس كل مخلوق يجوب الأرض باحثًا أو متوجهًا لشيء ومكان ما. ولا تهتم لذاك البحث ولا ذاك التوجه، ولا تهتم لكل ما يعتقد الشخص عن قدره وأحلامه وطموحاته. إنها تتحرك غير متأثرة لأن قدرها وأحلامها وطموحاتها أكبر من كل الذرات التي تطفو ثم تلتقي وتصنع ضياءً للحظة ثم تخفت وتتلاشى. رغم ذلك، لا تنفك الذرات في أن تتلاقى وتطفو وتبقى مضيئة للحظة والتي تبدو لها أنها تمتد للأبدية وما بعدها وأن ضيائها لا بد منه وأنه ينير الطريق المظلم الطويل. وللبعض، هي حقًا كذلك.

حينما اعتدلت الشمس وأخذت نفسها وأصبحت أكثر ثقة بأن وهجها المنير لا بد منه وقفت حصة بشكل مفاجئ ونظرت لما حولها لفترة ليست بالقصيرة. النظرة التي نحتت على وجهها حاد الملامح كانت توحي بأنها ترى هذا المشهد لأول مرة وربما كان الأمر كذلك. أخذت نظرتها تمر من على هاجر وكأنها لم تلاحظ وجودها في خضم الحدث. كانت هاجر تنظر لها وتمرر أصابعها من خلال شعر جراح بشكل هادئ. نظرة الاستغراب تطغى على وجه هاجر الصغير وعيناها الكبيرة تلمع ببراءة قلبها. انتبهت حصة في منتصف لحظة ما وكأنها للتو صحت من الغفو. نظرت إلى هاجر وعرفت هاجر أنها رأتها الآن وبدت عيناها تحمل إصرارًا وثقة وحقد لا يمكن دثره تحت هالات الحزن والوجع.

 

٣

وفتح عمل الشيطان. فلو كان الزمان غير الزمان، والمكان في مكان آخر. لو كانت الأجواء على غير حالها، ولو أشرقت الشمس في ذاك اليوم بوقت آخر أو غمرت الغيوم اشراقها. لو ما كان لم يحصل، ولو لم تمرض هاجر في ذاك اليوم قبل عدة أيام. لو كانت الوجهة غير الوجهة أو كانوا يهيمون على أوجههم بلا توجه. لو كان جراح أقوى أو كان يملك سلاحًا، عوضًا عن خنجره وسيفه القديمة، كما طلبت منه حصة عدة مرات. لو أنه اعطى قاطع الطريق ما يريد فريما سينقطع نسج الأحداث وتصبح مكانها أحداث أخرى. لو.. ولو أخرى تجوب في مخيلة حصة وهي تشتاط غضبًا ويمتلئ قلبها حدقًا وكرهًا على هذه المنظومة التي تتحرك بها الحياة وتتداخل أحداثها وتبتعد ثم تقترب وتتصادم ثم تنفجر، وينفجر منها كل ما هو قبيح ومسموم ليتسرب إلى داخل أزهار الروح ويقتل بساتينها ويلوث شطآنها ويفجر براكينها ليحترق كل شيء ويصبح سمادًا قاتم اللون. ومن بقي لهم هنا؟ ما الذي بقي لهم هنا؟ جثة هامدة على شكل أخيهم. حزن وغم. آهات وصرخات مكبوتة لم تتفجر بعد. رمل وسموم الشمس الحارقة تلفع الوجوه وتشوه المنظر. كيف للإنسان أن يتحمل كل هذه الغمرة؟ ألا يجب أن يسقط حمله على تراب الأرض صارخًا في وجه القدر؟ كيف يحمل على أكتافه هذه الخيانة، أن تغدر به الحياة بهذا الشكل وبهذه البساطة وكأنه لا يعني للمكان ولا للزمان ولا للحياة شيئًا؟ وهل هذا وجهها الحقيقي يُرى أخيرًا؟ كانت الأفكار السوداء تغيم في مخيلتها وتلكم حصة من كل جانب. كانت تنظر لهاجر وترى زهرة الحياة تقطف بتروِ ومكر شديدين. وماذا لها أن تفعل؟ كيف تخرج من هذا الجسد وتصبح درعًا يحوم ليحرس أختها الصغيرة؟ في تلك اللحظات كانت تريد الخروج ذاك أكثر من أي شيء آخر. فرغم أن جراح كان يقوم بدوره في الحراسة والدفاع عنهما لكن لطالما أحست حصة أنها هي كانت كذلك لكنها تلعب دورًا آخرًا في هذه التمثيلية. كانت تفكر كيف كانت ضئيلة وكيف استسلمت لطحن نواجذ الواقع بهذه السهولة. كيف لها أن تترك لأي شيء أن يكسرها؟ لماذا لم يساعدها جسدها البليد بالانقضاض على ذاك الرجل الغريب لتبعد شره والسواد الذي اتى به لعائلتها؟ لماذا وقفت هنالك لا تحرك ساكنة ومرعوبة تترد في آذانها صدى صرخات الرجاء من هاجر؟ لماذا يجب على الحياة وواقعها اللعين أن يكونا بهذه القسوة؟ كيف يكون ذلك حقًا وعدلًا؟

حركت حصة رأسها قليلًا لتنفض الأفكار التي تنخر مخيلتها بصرير الماضي. نظرت بحزم تجاه هاجر وقالت “يلا يا بنت. حطي جراح معك ومشينا على بركة الله قبل يجينا الليل من دون مانحس به. بنروح نشوف اللي ينقال له خلف الربيعي.”

 

٤

استيقظ خلف وعينيه يغلبها النعاس. كان الفجر قد ابتدأ بنسل خيوطه ممددًا يديه بتقاعس ليبدأ يوم جديد. استقام جالسًا على الفراش، الذي خاطته زوجته قبل سنين عدة، وأخذ بوعي يحس بركود الحياة من حوله. استنشق ما تبقى من الليل وأغلق عينيه للحظة بروتينية معتادة. لم يكن يعرف لماذا يقوم بذلك، لكن ذلك الفعل يعطيه قوة في أن يغلب النعاس وينهض. حمل نفسه ونهض بخفة وتوجس لكيلا ينبه زوجته النائمة. في ذاك الفجر المظلم كان خلف يحمل شيئًا ما في صدره. لا يعرف ما هو لكن يبدو أن شخصًا وضع كيسًا من الأرز وتركه هناك. كان يحس ثقلًا لكنه لم يكن جزءًا منه، كان شيئًا خارجيًا خارجًا عن قدرته. إن قدرته وقدره في يدي الله، فربما كان ذلك علامة على شيء ما. لكن الليل سينجلي ويأتي الضياء ويصبح كل شيء واضحًا في مرأى العين. أخذ يفكر في التناقض الذي يملأ النفس البشرية، خصوصًا عند الاستيقاظ. فالروح تبدو منتعشة كأنها لم تغفى، لم يقطع تيارها الغامر شيء. تبقى مستيقظة من خلال الليل. جسده وحده هو المنهك والذي يستقي الراحة دائمًا. فكر أنها معركة، ككل شيء في الحياة، بين قوتين. صراع لا يمل من التكرار ولا يصبح سهلًا مع مضي الوقت. استعان بروحه على جسده وتوجه إلى الخارج. مازال الظلام يغطي كل شيء بغلاف أنيق. كل شيء كان ساكنًا تحت سلطة الظلام. كل شيء ينتظر النور ليتحرك وينفض الظلام من على كتفيه. توجه خلف إلى الماء ليتوضأ ويستعد ليقيم أذان الفجر.

اتجه إلى جرف التل الذي يطل على أكثر من منتصف جماعته، ورأى خيامهم نائمة وبعضًا منها تنير واجهتها النار الموقدة وكان يلمح بعض الرجال منحنين حول نارهم تضيء خيالهم، والبعض للتو بدأ في محاولة أن يشعل ناره، والمتبقين منحنين حول نار أبو محمد يتبادلون التحايا تجهيزًا لقهوة الفجر عنده. أبو محمد هو صديقه المقرب، صديق طفولته، ونسيبه. نظر خلف لظلالهم على الخيمة وتمنى لو استطاع أن يذهب هنالك ليتبادل معه الحديث على انفراد. التفت إلى الوراء، إلى خيمته والخيام من وراءها. كان المنظر متشابهًا، عدا أن بعض الخيام تعكس إنارة خيال امرأة وأحيانًا مع شاب صغير أو اثنان أو أكثر بجانبها، حيث تقطن الارامل من النساء والمطلقات، وفي الجانب المغاير وبعيدًا عنها حيث يفصلها تل ليس بعالٍ من الرمال كانت خيام لشباب لوحدهم. هناك، في أعلى التل بعيدًا عن البقية بقليل، كانت خيمة الشيخ عبدالله الربيعي وكالعادة ظل صبيه مضاءً على الخيمة وقهوته تعد لتجهز حين يستيقظ بعد الفجر بقليل. هذا التوزيع لم يكن نتاج عمل متعمد أو عن قصد، فككثبان الرمال التي تحيط المكان، ما هو إلا نتاج سنوات من التراكم الطبيعي الذي يبنى على مر السنين والذي يبدو خفيفًا قابلًا للاختراق من الوهلة الأولى حتى تكاد الريح حين تهب أن تعصف به وتقشعه ليظهر باطنه الهش، لكن تأتي عواصف وكوارث ويبقى مثل ما هو مع إعادة تشكيله ليكون ملائماً للمحيط الجديد. إنه يصمد على الدوام، حتى يأتي يوم، ومع مرور الوقت وعواصفه الكثر ومن دون أن يلحظ أحد، ليكون شكلًا جديدًا مختلفًا عن تراكمه الأولي.

التفت خلف ثم استقام باتجاه القبلة. رفع يديه ووضع إصبعيه في أذنيه. أخذ نفسًا عميقًا، وصاح بالأذان. حينما يصيح بالأذان ومع أول نسمة تخرج من فمه يسقط كل شيء آخر، يبقى هو ونسمات الكون الصباحية تمر من على جسده، ويكون هو خفيفًا حتى يكاد أن يطير معها، ومعهما الله يسترق السمع. كل ما يثقله أو يقلق وجوده يتلاشى ويصبح خفيفًا ساكنًا مثل سكون الصباح من حوله. يصمت قليلًا ويأخذ نفسًا ويتنفس الصباح معه. يتجلى أمامه قدره وما يجب أن يفعل ويكرس حياته من أجله. هو المؤذن بدخول وقت الصلاة وهو الإمام يقود جماعته إلى الصراط المستقيم، إلى حيث يكون الله ورسوله الكريم. كل ما غير ذلك لا يحمل ثقلًا ولا يحمل وزنًا كافيًا ليكون عبئًا.

ما أن انقطع النفس عن الأذان حتى أخذ وقع الخطى القادمة من الجوار بالتصاعد تدريجيًا حتى ملأ مسامع خلف. كل من قدم ألقى السلام، فوقع السلام على المكان. كل شيء كان ساكنًا، فمازال الليل نائمًا، ماعدا الشفاه التي لا تمل تسبيح وتكبير الله وحمده همسًا. أقيمت الصلاة وتقدم خلف يؤم جماعته.

بعد انقضاء صلاة الفجر، استدار خلف جالسًا باتجاه جماعته وأخذ نفسًا عميقًا، نظر إلى الأرض لبضع ثواني، ثم اغلق عينيه. بعد ثوانِ وقف واستقام، نظر للأعين المترقبة والآذان المتعطشة. الجميع يعرف هذا العرف المتناقل. عند انقضاء صلاة الفجر يقف الإمام، خلف لسنوات عديدة، ثم يلقي خطبة توقظ أفئدة الناس وتنعش قلوبهم. تذكرهم بالوعد القديم وبجنة الخلد وبما يحمل يومهم وأيامهم القادمة بعون الله. في بعض الأيام يقف أحد المصلين ليبشر الناس بخبر ما أو يحذرهم من شيء ما أو يبلغهم بخبر عن مكان ما، في هذه البقعة وهذا الوقت يتناقل الناس أخبارهم وهمومهم ومشاكلهم علنًا أو سرًا مع صديق أو جار قريب.

انتفض الجلوس قليلًا. وجه خلف الشاحب أثبت شكوك من لاحظوا قراءته الخاشعة المليئة بالحزن. فجأة صمت المكان مرة أخرى، وهذا الحين كان يثقله الحزن والرهبة والترقب، وكأن موجة غبار أحاطت الجلوس. تطلع الناس لخلف وتعابيره المثقلة والمرتخية. لم يهمس ببنت شفة. مرت اللحظة وكأنها أعوامًا، وكأن من غادروا عادوا والحياة أخضرت وأمطرت ومات زهرها ومرت سنينها العجاف فغابت ثم عادت.

استشعر خلف المكان للحظة، ثم رفع عينيه من الأرض ونظر للأمام من دون التركيز في مكان محدد. ثم همس “يا…” ثم خانته الذاكرة والكلمات، تناثرت في مخيلته، وعادت العواصف تعصف بذهنه وتدمر كل بناء منطقي حتى لا يبقى شيء ماعدا صرير عصفها.

نظر أبو محمد، صديق خلف المقرب، في وجه صديقه للحظات حتى تطابقت ملامحهما، ثم قال “يا أبو فارس روعتنا. عسى ماشر؟ وش عِلمك؟”

ظهر ظل ابتسامة على وجه خلف ثم قال “كل ما عند ربك خير، يا أبو محمد. الأمر وما فيه يا جماعة الخير إن أم فارس…” ثم سكت. تنحنح قليلًا، استنشق بعضًا من هواء الصباح، ثم اكمل “أم فارس، يا جماعة الخير عسى ما يمس أهاليكم الشر، جتها حمى الهواء الأصفر. واللحين هي بين يدين الله وبرحمته. وبإذن الله الله يكتب اللي فيه الخير، وعقبال ما تقوم بالعافية. وكل اللي نبيه منكم هو دعواتكم ووقفتكم معنا، واعذر…”

تعالت الأصوات مقاطعة ومتقاطعة بالأدعية والأذكار وعبارات الدعم والتذكير بخيرة الله وحكمته وقدره. واقترح معظمهم أن يرسل مرسول ليأتي بالطبيب على عجل. مر على خلف طيف من المشاعر، جميعها تعاركت أمامه ولم يقدر على فعل شيء سوى أن يدعها تغمره للحظة. استجمع نفسه مرة أخرى وحرك يده ليهدئ الأوضاع والأصوات ثم صاح بصوتٍ عالٍ “الله يحزاكم خير، يا جماعة. والخيرة فيما اختاره الله. بإذن الله تقوم بالسلامة قريب. ومثلكم عارف، المدينة والطبيب بعيدين، والطبيب لامنه تعنى وجاء بيشرط إنه يرجع ومعه ضعفين ما يحمل، وبالعادة يجي معه قافلة لها أول ومالها تالي. ومثل ما سمعتوا من القوافل اللي مرتنا إن هالمرض، اللي يجيرنا منه، عانوا منه الآمراء والشيوخ ولا طابوا على يد أي طبيب. فما أشوف إن بها منفعة. وأم فارس، الله يشفيها، تطابق وصف اللي وصفوه اللي بهالقوافل. ومثل ماقلت، حنا يالله لك الحمد جماعة وجيران، واللي نبيه منكم هو دعواتكم ووقفتكم.”

توقف خلف عن الكلام ليترك الكلام يرسى على آذان المستمعين. نظر لبعض الرؤوس التي انخفضت حزنًا واحترامًا، وتلك التي مازالت تتمتم بالأذكار والترحم. نظر لصديقه أبو محمد ووقعت أعينهم على بعضها. ارتسم ظل ابتسامة على وجهيهما وهز كلاهما رأسه ووصلوا لفهم ما.

“والشيء بالشيء يُذكر،” أكمل خلف كلامه “بإذن الله من بكرة هالمسجد بيصير لحمد، بيكون هو المؤذن والإمام، والله يرزقني الصحة إني أصلي معكم صلواتي كلها. والتمس منكم العذر والسموحة.”

 

 

٥

كانت الشمس تحاول تخطي الأدعاص والجبال والتلال لتستعمر تلك المناطق التي لم تطلها بعد حينما كانت حصة وهاجر على رأس الدعص المطل على ذاك المستقبل المحتمل. توقفتا للحظة للتطلع للأمام ونظرت هاجر ليمينها لترى حصة على ناقة جراح وجثته المربطة تتدلى من خلف حصة. نظرت هاجر للخلف ورأت جثة الغريب صغيرة لدرجة قد لا تكون ملحوظة. أحست بغصة تملأ روحها. كانت تحس ان ذاك الذنب الأسود يلتهم شيئًا من حدائق روحها شيئًا فشيئًا. كانت تتخيله كخيال عملاق يتخلل ويتحرك بمكر وهدوء ليقبض على ألسنة الشمس ويلتهمها، وتدريجيًا تغيب الشمس فيغيب الضياء عن المكان. كان حزن مقتل جراح يطغى، كان كطيف موجود وواقعي، فكل دلائل الواقع توحي بذلك، لكن الضباب يطغى عليه، فمازالت الحقيقة الموجعة تتمحور وتحاول أن تشكل واقعًا جديدًا حيث لا يكون لجراح وجود، لكن هذا يصعب تصديقه فجسده يُرى لكن الروح في طموحها للسماوات تستطيع أن تلتقي بجراح هنالك وتستطيع أن تراه عبر الذكريات وتسمع صدى ضحكته التي كانت تظهر من وقت لآخر. وكالسراب، حينما تظهر ذكراه في مخيلتها وتحاول أن تركز عليها وتجعلها واقعًا تتلاشى وتظهر كثبان الرمل القاحلة وتعرف أن الشمس تصنع طرفة قاسية من خلال انعكاسها. ليس هناك ماء في المدى، فما الذي يروي الأحشاء بعد ذلك؟

كانت تنظر للغريب وتتخيل ذكرى كاملة له، أو شخصًا يحمل ذكراه في سراديب روحه. كان أخًا لأحد ما. كان ابنًا لأم وأب يحبانه. كان يتطلع ويحمل كل تلك الاحتمالات التي تتعدى نجوم الكون في عددها. كان يتنفس ويعطش. ثم ينظر للأمام ويتمنى أن يجد الماء فتملأ عينيه دموع الأمل والأمنيات، ويمضي بالأمل لكنه لا يجد الماء ويجد أن السراب قد خدعه. كان يحس بخيبة الأمل ويستمر باحثًا عن الماء. ويومًا ما، يرِد الماء.

تمتلئ عيون هاجر بالدموع، وتبتلع آلام روحها. تتذكر حينما قالت لحصة أنها تريد أخذ الغريب ليصلى عليه ويدفن مثل ما كانت حصة تريد لجراح، أن تأخذه لخلف الربيعي لهذا السبب. وترد عليها حصة بأن تتوقف عن التصرف كطفلة تشع عيناها حين ترى السراب وبقلب تملأه الفرحة تمد يداها وتطارده. ففي هذه البقعة العصيبة من الأرض، الأمنيات ماهي إلا سراب خادع. الأمنيات لا تكاد يُعبَر عنها حتى تسقط على الأرض وتتحطم لآلاف القطع الصغيرة التي ستؤذي صاحبها إن فكر أن يمضي قدمًا في هذا الطريق. الأمنيات رفاهية لا يستطيع الشخص أن يفكر بها، لا يسمح لها أن تتشكل وتملأ القلب، فخوفًا من هذا التصادم يمضي الناس وكأنهم لا يحلمون ولا يريدون شيئًا من الحياة سوى قوت يومهم وأن يمضي اليوم ذاته بلا عواصف تعكر صفو أجوائهم. إنها الصحراء تعكس طبيعتها في أنفس أهلها. تمتد لأبعاد بعيدة بلا أن تصطدم العين بشيء يدعو لأن يفكر الشخص بأن شيء ما قادم، فالواقع هنا مجرد من كل زخارفه الباهية، عاري للأعين أن تراه وتعرف ما هو قادم، المزيد من الشمس الحارقة والرمال، ثم المزيد من الظلام والوحدة الخاوية. لا شيء هنا يدعو لفكرة أن هنالك بديل أو تغير مفاجئ سيحدث. إذا تطلع الشخص بعيدًا وأبصر شيئًا على المدى، ففي غالب الأمر ما هو إلا سراب، خدعة أو طرفة قاسية. لذلك، مع تقدم العمر يعرف الشخص قطعًا بطبيعة الأشياء، بطبيعة الصحراء ذاتها والتي تبدو خشنة وعصيبة، فتتشكل الأنفس لتعكس ما حولها. الأمنيات هنا ماهي إلا مجرد سراب، تتسلى وتأنس بها الروح ثم تشح الأعين عنها لتقضي وقتها في البحث عن شيء واقعي يمكن لمسه ليساعد الحياة على مضيها.

للحظة حين أشتد النقاش حول جثة الغريب، أحست هاجر بالغربة لأول مرة في حياتها. كانت تحب حصة، تتطلع إليها. فلو كانت تستطيع أن تجرف من قلبها ذاك الحب لغمر التلال والسهول وفاض. لم تكن تحس بالغربة لذاك السبب. فهي تؤمن حينما يكون الحب لا تكون الغربة، لكن الشعور استقر وتحول لشيء آخر. كان غصة حزن، غصة تتراكم فوقها نواجذ الواقع وتطحنها. لم يكن ما أرادت هو ما فهمت حصة، فهي كحصة لم تغفر للغريب ما فعل، تعديه وقتله لجراح، لكنها تراه ابن آدم وكل ابن آدم خطاء. كانت ترى شر الخطأ، عواقبه الكارثية. لقد سرق محبوبًا وأخ. سرق جزءًا هامًا في حياتهم بغير حق. الحياة ستتغير بفعل هذا الخطأ. كل احتمالات جراح التي تتخطى نجوم الكون في عددها قد محيت. لقد انطفأ نجمه للأبد. لكنها لا تزال تراه شبيهًا لجراح بشكل ما. لم تكف عن تخيله يحاول أن يصارع ويقاوم ليعيش. لم تكن تظن أن فعلًا مثل الذي فعله يمكن أن يأتي بالفطرة أو بمحض صدفة. فللأمور أقدار وأسباب تّحكِمها، ولها تبعات تحكِم ما يليها. ومن هذا المنطق، فقطعًا للأمور سوابق توجهها. لكل فعل توابعه، إذًا لكل فعل ما يدفعه. التوابع ربما لا تُغتفر، لكن الدوافع يجب أن ينُظر لها بعين الشفقة والحب. وربما كان خيار حصة في ألا تأخذه ليغسل ويصلى عليه ويدفن صحيحًا، فهي نظرت للتوابع ولم تغفرها وجعلتها جل تركيزها فغضبت وخرجت عن طورها. كانت تنظر لفعل حصة بذات الشفقة والحب التي تحمله لدوافع ذاك الغريب، تفهم دوافعها، لكنها لم تغفر توابعها. ذاك الغريب سيبقى، كما عبرت حصة، للذئاب تقطعه وتأكله. كان إحساس الغربة نابعًا من عدم الرؤية. فحصة، في خضم غضبها وحنقها، لم ترَ دوافع هاجر. لأول مرة تتصادم الأختان بهذا الشكل، وبهذه الحدة، واستوعبت هاجر أن حصة لا تراها. وكيف يكون الحب موجودًا حينما لا تُرى؟

كانت حصة تتطلع للأمام وهاجر للوراء. ثم التفتت هاجر باتجاه حصة، ورأتها مازالت تتطلع للأمام. نظرت هاجر للأمام كذلك ولم ترَ سوى المزيد من الشمس والرمال تمتد على مد البصر. ثم لاح لها خيال أو سراب من بعيد. تجاهلته ثم قالت “ما أظن الماء يكفينا”.

استمرت حصة بالنظر للأمام وقالت “بنلقى رزقنا بإذن الله. يالله، يا بنت، خلينا نعجل قبل يوصلنا الليل”.

 

 

٦

كان حمد، ذاك الشاب ذو الجسم النحيل والذي يحاول جاهدًا أن يجعل لحيته وشاربه يقاوما عوامل جسده في النمو، جالسًا في صف الجماعة الأخير حيث يحب تقديرًا واحتراما لمن يكبرونه بالعمر، مخفضًا رأسه في سكينة ووقار حينما سمع ما قاله خلف. انتبه للحظة، ثم ظن أنه لم يسمع ما قيل جيدًا حينما كان غارقًا بالدعاء والذكر. لكن الشكوك تجردت لواقع حينما التف الجميع ونظروا باتجاهه.

كان حمد أكبر طلبة خلف في دار تحفيظ القرآن والفقه والحديث. الجميع يعرف، رغم أنه لا يقال، أنه كان طالب خلف المفضل المقرب وساعده الأيمن. كان أحيانًا يساعد خلف في تلقين الدروس، أو يسد مكانه عندما يغيب. الكل كان يرتقب اليوم الذي يتعدى حمد معلمه خلف علمًا وحفظًا. ففي فترة معينة سمع الجميع كيف كان حمد يصرح أنه ينوي الذهاب لمكة أو المدينة للدراسة أو حتى أن يتوجه لمصر أو العراق ليستقي العلم هناك. كان يعلق أمنياته إلى جانبه حينما ينام كل ليلة، فيقضي وقتًا ينظر لها ويفكر ويترك خياله يسرح في متاهات وطرق السفر الطويلة في القوافل التي ستعرفه على أشخاص جدد وبيئة مختلفة ومغامرات شيقة. يرسم في خياله خطة حياته كاملة، كيف سيسافر في بقاع الأرض ويعرف أقطاعها ويحصد العلم الوفير ثم يعود لأهله وجماعته ويكون له مكانًا مرموقًا بين الجميع فيقودهم لمكان أفضل. كان يتخيل مذاق بلح الشام وغفواته تحت أشجار الزيتون هناك وكتب وعلوم العراق التي سيطلع عليها ويتعرف على حضارتها وربما سيجلس على ضفة دجلة أو الفرات ذات مساء، أو حتى يغمس أخمص قدميه في النيل حينما يذهب لمصر. كان يسمع قصص القوافل فينظر بأعين تملؤها البهجة والشوق وبخيال يبحر ويركب أمواج الأمنيات. لكن مسار قدره تغير في واقعه حينما قتل والده في أحد الغزوات، واضطر أن يعيل عائلته ووالدته. مسار قدره تغير في مخيلته كذلك. أصبح يمسك خياله حينما يحاول الإبحار ويقبض عليه بقبضة حازمة ويجعله ينام معه. في بعض الليالي، حينما يكون نائمًا تأتي له الأحلام كالواقع تمامًا، فيرى قافلته تمر من بين أبواب الشام ويسمع ضجة الأسواق والحياة، وحينًا آخر يرى شيخه مبتسمًا يهديه كتابًا لم يقرأه قط في مجلسه على ضفاف دجلة، وحينًا يرى تلك الفتاة المصرية تبتسم له وهي واقفة تتأمل مياه النيل تجري مثله تمامًا. لكن حينما يستيقظ في الظلام في خيمته بين كثبان الرمال يغضب من نفسه ويعاتبها ثم ينفض الأحلام عن رفوف فكره ويستغفر ويذكر الله ثم يخرج ليصلي الفجر ويقابل صباح يوم جديد.

مرت سنين على حادثة والده، وها هو يأتي صباح روتيني جديد لا يختلف كثيرًا عن صباحات السنين الماضية. لكن عندما نظر له الجميع ومضى وقت كافي ليستوعب عقله ما حدث تغير كل شيء. هذا يوم جديد تمامًا. أحس بالريح أكثر تمر من على جسده ولاحظ أن مسارها تغير. هذا الفجر كان هادئًا ومليئًا بالرقة ويحمل همسًا يطمئن الروح. أحس أنه أكثر خفة وصدره يحمل بعض الفراغ لمتنفس جديد. رفع حمد رأسه ولاحظ أن الجمع ينظر لصمته. حاول أن يتحدث لكن لم يجد الكلمات. نظر باتجاه معلمه خلف بأعين تملؤها البهجة واللهفة وقليلًا من الحزن معًا فهز خلف رأسه وابتسم. ثم نظر للأسفل وسمع الكلام يستمر ولكن فكره لم يقدر على استيعاب ما يقال فكانت الأصوات تبدو بعيدة وبلغة أخرى. لحظ دمعة تسقط فتبلل رمل الصحراء. أبحر خياله وركب أمواج الأمنيات، فأشرقت شمس مخيلته.

 

 

٧

لاحت ألوان الشمس المتباعدة في الأفق البعيد، فقد قاربت على الرحيل. السماء كانت تبدو كأنها تحمر خجلًا، وأحيانًا تبدو كأنها تحترق. فتتراقص الألوان من وراء كثبان الرمل وتمتد أيادي الشمس التي كانت كأنها تحاول الإمساك بشيء مما تبقى لها في عرض السماء كي لا تسقط. مضت حصة تنظر للسماء حينها، ثم تسرق نظرة باتجاه هاجر دون أن تدعها تلحظ. أحيانًا تحول طاقتها إلى حس وترخي سمعها في محاولة بأن تحس أو تسمع وجودها قادمة من الخلف. فعلت ذلك ثم أحست وسمعت خطى ناقة هاجر ثم ارتاح قلبها. تطلعت حصة للأمام ورأت السماء، خيوط السحاب مع امتداد شعاع الشمس كانت تبدو لها كدموع تذرفها السماء. فكرت كيف كان اليوم طويلًا وشاقًا. كيف أن هناك حملً ثقيلً يثقل نفسها. كيف أن مغيب الشمس هذا محزن بشكل لا يطاق. تغمرها المشاعر ثم تحاول الانزلاق والانفلات من قبضتها لكنها تفشل. نظرت للأمام وصبت جل تركيزها على المضي قدمًا. ثم، وبحركة بطيئة يملؤها ثقل الوجع، نظرت للخلف، ورأت هاجر تنظر للأعلى بلا مشاعر ظاهرة على براءة وجهها الصغير. كانت تبدو كأنها تنتظر أن تتخذ السحب شكلًا معينًا أو معنى يغزو إلى دلالة ما. ثم نظرت حصة للأمام مجددًا ومضت.

مدت حصة يدها للخلف وحاولت من خلف الكفن أن تقبض يد جراح. بعد محاولات، امسكت بيده. ضغطت عليها، وأحست أن الحب ينساب منها إلى جسده الرخو. حاولت أن تجمع الذكريات، أن ترتب انسياب الحياة. حاولت أن تصنع معنى أو فكرة ما. أن تجلب أي شيء للصحو، لكن محاولاتها باءت بالفشل. للحظة، وبشكل غامر، أحست أن كل ما سبق لم تعشه. كل ما مضى كان ماضيًا بعيدًا لا يربطها معه شيء. غمرها شعور غريب بالوحشة والغربة من ذاتها، ومن الحب الذي تحمله. كل ما كان هناك هو الصحراء والشمس تصارع السماء في مفارقتها، وصوت تحرك هاجر من ورائها. كل ما كان هناك هو جثة جراح خلفها تثقل النفس وظهر ناقته. لم تفلت يد جراح. زادت في قوة ضغطها لها. كان يختال لها أنه سيتوجع، سيصحى يتمتم شيئًا يدل على توجعه وتذمره لكن بشكل غير مباشر لأنه رجل والرجل لا يمكن أن يتوجع. أحست بالحب يخرج من يدها لجسده ثم تجد برودة الغضب والحقد مكانًا جديدًا لتتوسع. فيخالط المشاعر الأخرى ويخالط الحب. نفضت ما غمرها ثم وعت وتركت يده ثم عادت لتقبض ناقتها وتقودها.

كان الظلام يقارب على ابتلاع الوجود بسواده. في غمرة المكان الهادئ، سمعت هاجر تقترب أكثر فأكثر. أحست بشعورٍ في مؤخرة رقبتها عندما اقتربت على بعد خطوات قليلة بأنها كانت تحاول الكلام. سمعت صوتًا ضئيلًا تضمره الأنفاس التي تشق طريقها من خلال غمرة الهدوء. بدأ ذلك الشعور الذي أصبح مألوفًا كلما استمر في النمو بالتخلل في قلب حصة. هيأت نفسها لما ستقوله هاجر من جديد. مازالت تسمع صدى صوتها الصغير المختنق في محاولة استعطافها بأن تجلب الغريب معهم. تطلعت للغروب الباكي وها هو يأتي كذكرى على الفاجعة مرة أخرى. فكرت كيف لها أن تغفر لذاك الشر ما فعله؟ لا يوجد مكان للغفران، ولا حتى الرحمة. سقوطه بعد أن طعنه جراح في مكان قاتل كان أقل بكثير من الجزاء الذي يستحقه. في الأيام القليلة السابقة في عبورهما خلال الصحراء لم يتحدثا كثيرًا، غير الإرشادات التي تطلقها حصة أو تعليق عابر من أحدهما، وهناك دائمًا سؤال هاجر المتكرر عن قلة الماء. لم تعرف حصة السبب الذي يدفع هاجر لهذا السؤال المتكرر، فكلاهما يرى المساحة القاحلة الممتدة على مد البصر. عوضًا عن ذلك، كان هناك قدرً كافٍ من الماء ليغطي المساحة التي تمسحها العين في النظر، وكانت هاجر تعي ذلك جيدًا. كانت حصة متأكدة أنهما سيجدان بئرًا في مكان ما أو أن يجدا الماء بطريقة ما. لم يكن القلق في هذا الجانب أو أي جانب آخر هو ما كان يقطن في سراديب قلب حصة، بل كان شيئًا آخر. ضيف جديد أستقطن الأنحاء هناك وأصبح وجهه مألوفًا، وحركته البطيئة والثقيلة مألوفة، وحتى حرقته كانت مألوفة. في بادئ الأمر، كانت حصة تستنكر هذا الضيف الجلف. فدفء الألفة هو الشيء الوحيد الذي كانت تتكئ عليه حصة بكامل حملها العاطفي. لكن حملها العاطفي الهش كان مُرهقًا، وهذا الضيف الذي لا يمل من طرق الباب أصبح أكثر إصرارًا وجلفًا في تعامله. في محاولته الأخيرة كان يطرق بكل عطف وحنان واهتمام، هو الآخر يبدو هشًا كذلك، ويهمس بأنه يحمل الهدايا والمعجزات التي تحمل مستقبلًا أفضل ليس لها فقط لكن لها ولأختها الصغيرة أيضًا. وهناك أستقطن، وجد موطنًا جديدًا. نام في جوف أكثر أحشائها دفئًا لعدة أيام، وكان يتمدد ويكبر في كل يوم عن اليوم السابق. كان كالطفل التي لم تحمله أبدًا، لكنه كان يكبر بشكل أسرع وتحس بتحركاته بشكل أشنع. الآن لا يجب أن يُعد ضيفًا، والحقيقة التي تصبح أكثر وضوحًا في كل يوم هي أن حصة أصبحت الضيف الآن.

سمعت صوتًا مكتومًا يتمتم بشيء ما. نظرت للخلف ورأت شفاه هاجر تتحرك لتصنع أصواتًا وجمل. “…لكن اللحين حنا ما ندري ويننا، يا وخيتي.” قالت هاجر وضمت شفاهها لتدع الصمت يُطبق على أنين الغروب الحزين.

“وش قلتي يابنت؟” قالت حصة ومازالت ملامحها تظهر عبسًا غريب الموطن “تعالي قربي شوي خليني أسمعك. تعرفين هوا الصحراء يسرق الصوت.”

رأت حصة النسيج الذي كان يربط ملامح هاجر الجادة ينسل وتعود ملامحها لمكانها الطفولي مرة أخرى ليعطي عضلات وجهها قسطًا من الراحة. أخذ الأسى يُطبق على حصة حينها وكأن ضوء الغروب الخافت كان يغدق كل حزنه عليها لتعيش في الظلام. أخذت بالتفكير للحظة، من يسرق الضياء؟ ما ذاك الظلام الذي دائمًا يتربص في الأرجاء؟ أحست بالإرهاق من كل تلك الأسئلة التي لم تغادر مخيلتها يومًا، ودائرة الأفكار التي لا تعرف كيف تصنع مهربًا من خلال صنع الزوايا أو الخطوط المستقيمة لتعود لنفس المسار حينًا بعد حين، وكل هذا الثقل التي كانت تحمله وتحس به ينخر أنفاقًا ويبني شيئًا جديدًا داخلها. ويعود السؤال الجوهري ذاته، كيف الخلاص من كل هذا الهوان؟ من الذي، بكل برود وعبثية كما يبدو، يصنع الأشياء بشكلها المادي؟ إن فكرة القدر في حد ذاتها كانت تبدو منطقية، حتى ينظر الشخص بشكل دقيق فيما يدور من حوله وفي مسار حياته حتى ينهار كل شيء على نفسه. كيف يؤدي سقوط شيء في نهوض شيء آخر، ذلك الجانب المنطقي. لكن هل كان السقوط شيء ضروريًا لينهض شيء آخر؟ ذلك لا يبدو منطقيًا. فهنالك احتمالية أن يكون الأمر أكثر سهولة لو نهضت كلها في وقت واحد وللأبد. لماذا يجب أن يتبع كل شيء الخط المستقيم ذاته، وكيف على المنطق ذاته ألا يزوغ عن ذاك الخط المستقيم؟ لم تفهم حصة يومًا من وضع هذه القواعد. من بنى سواعد الصحراء لتكون رملًا حارقًا يغطي أرضًا قاحلة؟ ألا تجد الشمس شيئًا من العاطفة في قرارها لتشع بنور أقل حرقة، وأقل تعذيبًا؟ أم أنها مسيرة لتقوم بهذا العمل من غير أن تقودها عاطفة ما؟

استوعبت حصة أنها كانت تنظر لوجه هاجر من غير أن تقول شيء لفترة ليست بالقصيرة، لكن هاجر لم تجب بعد. عرفت أن نظرة قارصة كانت تغطي وجهها. صارعت وجهها لتصنع ابتسامة ثم قالت “يابنت، وش عِلمك؟ الشمس أحرقت لسانك وبخرت عقلك؟ قربي عشان نعجل ونوصل لتحت الطعس اللي هناك عشان نشب ضونا قبل يسرقنا الليل. وهاه، هاتي اللي عندك وأنا أختك”.

أنعقدت ملامح هاجر مرة أخرى وعادت للحديث “والله ياوخيتي مدري وين كنتي. اللي قلته إننا هاللحين لنا كم يوم نتوجه شرق ونناطح الشمس ولا وصلنا لا للماء ولا لعشيرة، ولا حتى قاطعنا راعي يسرح بالغنم. خوفي إننا ضعنا لما غيرنا وجهتنا هاك اليوم لما كنا فوق ذاك الطعس. وحسب ذاكرتي إن جراح، الله يرحمه ويغمد روحه بالجنة، خبرني إننا ماحنا ببعيدين عن قومنا. ابد “حذفة عصا” مثل ما قال. الظاهر إننا حذفنا عصِي ولا شفنا لنا شوفة. والماء، ياوخيتي، لزوم نرد لنا بيرٍ ونشرب منه ونأخذ منه اللي نقدر عليه.”

“الماء مرة ثانية؟” فكرت حصة، وعبرت ظلال الغضب على مخيلتها. “يابنت، قلت لك عدة مرات، رزقنا على ربك والماء اللي معنا يكفينا ياما نوصل لنا بير ولا قوم ونأخذ زادنا. هاللحين علينا من اللي قدامنا. وأنا عارفة الطريق وبإذن الله كلها كم يوم ونوصل لخلف الربيعي. خلينا نعجل، أشوف المكان اللي تحت هاك الطعس يناسب نرتاح به الليلة للفجر ونشد رحالنا. يالله، عجلي.”

 

 

٨

كانت أشعة الشمس الأولى تلاعب ما تبقى من الدخان، بينما تقذفه رياح الهواء العليل لليمين والشمال. يترنح الدخان في الهواء، ويعلق قليلًا ثم يتلاشى ليصبح مجرد نسمة هواء أخرى. كل الرجال والضوضاء التي كانت ترافقهم وتخنق سعة خيمة أبو محمد قد غادرت. عم الصمت قليلًا حينما غادر الرجل الأخير. على الرغم من أن خلف كان يتطلع لأن يختلي بصديقه، إلا أنه كان يتوجس من هذه المواجهة. كان يعرف أن أبو محمد سيسأله سبب عدم معرفته بمرض أم فارس، وكيف له كصديق أن يخبئ أمرًا عظيمًا كهذا عنه ويخبره مع الجميع. كانت المساحة بينهما ليست بالبعيدة، لكنها كافية للذراع أن تمتد فلا تلامس الشخص الآخر. خلف كان يحدق في الأرض حينما تنحنح أبو محمد، وقال “عساك بخير؟” وصمت. أحس خلف بالهواء تتغير حالته وبشكل ما يضيق المكان أكثر مما كان عليه حينما كانت هناك أجساد تملأ المساحة. نظر للسماء الزرقاء البعيدة التي تمتد فوق الرمال وعلى مد الأفق، وظن أنه لو أمتلك كل ذاك الامتداد لن يقدر على التنفس للحظة. كل هذا الغم الذي يملأ قلبه، كل هذه الضوضاء التي تعيق مخيلته تتواجد داخله، أما خارجه فكل شيء هادئ ويحمل حميمية تغلفه وتطوي تفاصيله داخلها. تمنى لو أنه جزء منها، ليس جسدًا منعزلًا عن كل هذه الوحدة المتناغمة. لو كان ظبيًا، أو غزالًا، أو حتى ذئبًا ينخرط بانسيابية مع كل هذا الغدق والرتم اللامتناهي الذي يستمر بالرنين، أو نجمًا يعبر السماء وينير ما حوله. لكن أكثر من كل شيء آخر، تمنى لو كان ملاكًا حارسًا ليأتي ويحوف الأنحاء حول زوجته ويحمل عنها هذا العبء. فعندما عاد إليها بعد أن تفرقوا الجماعة بعد صلاة الفجر، كانت مازالت نائمة وملامح التعب ظاهرة على وجهها أكثر من أي وقت مضى. توقف عند مدخل جانب الخيمة التي ينامون فيه، وبقي على هذا الحال لوقت ليس بقصير. كان ينظر بنظرة تحمل الحزن والاستغراب والعطف بالوقت ذاته. لطالما كان جمال وضحى ساحرًا له، يملأ قلبه بشتى أنواع المعازف حينما يراها في كل مرة. لم يتوقف فؤاده يومًا عن النبض حبًا لها. فمن اللحظة الأولى التي رآها بالصدفة خارجة من خيمة النساء لتحاول أن تجلب الماء، سقط كل الوجود من حوله وأنشلت حركته كليًا وأحس بأساور الورد تقبض على قلبه. كان شعورًا غريبًا على شابٍ في أول العمر. شعورًا يغمر جسده المراهق الصغير ويحطم بجمالية تامة كل ماكان يعرف عن العالم. كل الألوان قد تغيرت بعد ذلك، وأصبحت أكثر زهوًا ووضوحًا. فأصبح للصبح نسمات عطرة، وللمساء ذاكرته الخاصة التي تهجم على مقدرته للنوم فتعيقها وتسحبها للأرق. حتى الأرق كان جميلًا. فقد كان يقضي الليالي يرى صورة وضحى تطفو بين النجوم وعلى سقف الخيمة. أصبح للوجود رتم جديد، رتم يحمل حبًا لم يتصور خلف يومًا أنه موجودًا إلا في ذاك الحب السماوي عند الله وملائكته. لكن هاهي وضحى، بكل جمالها الانثوي، تجلب السماء إلى الأرض، وتملأ الصحراء القاحلة بالأشجار والأنهار والورود. لخلف كانت هي زهرة العمر، ذلك الشيء الوحيد الذي يجعل الحياة أكثر جمالًا وقداسة. لذلك كانت الفاجعة أعظم، هاهي تذبل أمام عينيه، ولا يستطيع فعل شيء إزاء ذلك. حينما كان صغيرًا قاتل بكل شراسة ليكسب حبها، ولكي يجعلها زوجته. فقد كانت المصاعب تتراكم بينهما حينما قدم ابن عمها الأقرب ليتقدم لها. لكن هاهو الآن عجوز عاجز. وهنا الحب ليس دافعًا محركًا الآن، وليس عاملًا من العوامل المحركة أيضًا. كيف للحب أن يخيب هكذا؟ كيف لتلك القوة السحرية السماوية أن تخضع لقسوة الواقع؟ والآن سيقاتل لينتزعها من أيادي المرض والموت؟

نظر خلف لصديقه بأعين ذابلة، وملامح قد قاربت على الذوبان. كان تغير ملامح وجهه لهذا الشكل الذي لاحظه أبو محمد ليس بالغريب الآن. كان الحزن يختبئ بين خطوط وجهه ملحوظًا لأي شخص ينظر بدقة. لكن الآن والكل يعرف ماحدث، كان الأمر ملحوظًا كالشمس التي تشرق على المكان.

لم يرتب خلف كلامًا مسبقًا في مخيلته ليرد على صديقه، لكنه حرك شفاهه وخرجت الكلمات بإنسياب فاجأه “والله يأبو محمد تعرف العلوم. الحمدلله على كل حال، هذا قدر ربك. وتعرف أم فارس قوية ومره عن مليون رجال. ماهو كل ماجاها قدر عليها. وبإذن ربك بتقوم مثل الحصان، بس يبي لنا نصبر، والموضوع يبي له وقت ومداراة. كنت معها بعد صلاة الفجر قبل أجيكم، ويالله لك الحمد قامت كعادتها وتريقنا وتكلمنا شوي. وابد لو تشوفها ماتقول مسها المرض. واللحين عندها حريم الجيران كل وحدة جت شايلة معها طبق وخلطة” وضحك خلف ضحكة خافتة يستطيع الشخص أن يلحظ شقوق الوجع فيها “تعرف الحريم وسوالفهن وأنا أخوك.”

أنارت الإبتسامة الجانب الأسفل من وجه أبو محمد، بينما مازالت غيمة سوداء تغطي الجانب الأعلى منه. أعتدل في جلسته وأدار معظم جسده لجانب خلف وقال “ايه، ايه وأنا أخوك. هذا عملهن. ماغير يجمعن ويخلطن من هالأعشاب. اشوا يارجال، خلهن يونسن قلبها شوي. حتى أم محمد لما عرفت سابقت الهوا رايحتن لها”، ضحك أبو محمد ضحكة مشابهة لصديقه. وكالعادة، حرك يده على لحيته الصغيرة التي يغطي البياض معظمها كأنه يحاول جمعها “وابد، كانكم تبون أي شيء حنا حاضرين. وتعرف مايحتاج هالكلام ينقال، حنا أهل.” ولفت بصره للأفق البعيد هو الآخر.

خلف الذي كان متكئًا للخلف على الوسادة التي تسند ظهره أحس بالضعف لأول مرة منذ وقتٍ طويل، وأحس أنه تقدم بالعمر لسنين في الأيام الأخيرة فقط. هجمت عليه مشاعر كثيرة، وكان الغضب أكثرها وضوحًا له. كل هذه الشفقة والعناية والمداراة كانت غامرة، وكحقائق الواقع الذي يعيش به كانت تحاول كسره أيضًا. كاد يترك الغضب ينفلت من قبضته ليمطر أبو محمد بكلمات الرفض الشديدة والقطعية لتقديمه لمساعدته. تمنى لو عاد صديقه المازح والضاحك لما كان عليه. الآن يبدو ككل الجيران الذين لا يعرفهم حقًا يحاول أن يطبطب عليه ويداريه. كان يعرف أنه لا يريد الشفقة، ولا حتى المساعدة. كل ما كان يريده هو أن يعرف ويتفهم، ثم أن يستمر كليهما بحياتهما كما كانوا، أو أن يتجادلا أو يجلس معه ومع أخته ليتحدثا بأي موضوع كان. كل ما أراده الآن هو أن يجلس مع صديقه صامتين ويتطلعان للأفق معًا. كل ما كان يريده هو الرفقة. الحميمية والدفء اللذان يأتيا مع وجود إنسان آخر بجانبه. أن يجلسا في الصمت للحظة، بعيدًا عن ضوضاء وعبثية الكلمات. فلا حاجة للكلمات في مواقف عديدة. فالكلمات تقطع السكون وتحرك أوتار الحياة بطريقة قلقة. الصمت يستطيع أن يعبر عن الكثير، ففي حضوره تتحول المشاعر لطاقة تحوي ما حولها. تمنى أن تغلفه طاقة من حميمية ودفء حب صديقه له. وتمنى لو تعود قدرة زوجته على نشر تلك الطاقة.

“ابد، منتم مقصرين وأنا أخوك. ومثل ما قلت، كلنا أهل.” حاول خلف أن يقاوم غرائزه ونزواته، وحاول أن يتماسك. فكر في أن يغير الموضوع. “إلا أقول، ما تظن إن أم محمد رجعت؟”

“علمي علمك. ابد كانها موجودة وتسمعنا بتجي هنا كعادتها. بس الظاهر ما رجعت لهاللحين. كأنك تبي أزهمها، برسل حدا هالوغدان يركض ويزهمها.” قال أبو محمد بنبرة أكثر جدية من السابق.

“لا، لا. مالي حاجة يابو محمد. بس قلت اسلم عليها ونسولف شوين. ولا تدري شلون؟ أنا رايح لهن هاللحين. اتوقع بهالوقت الحريم راحن ومافيه إلا هي وعيده.”

“ايه، ايه. نشم شوي هواء، كتمتنا ريحة هالدخان.” نظر أبو محمد لحوله وصاح على أصغر ابنائه حمود “ياولد، ياحمود، تعال خلك هنا. أنا وعمك بنروح شوي وراجعين.”

اللحظة التي خرج بها خلف من تحت غطاء الخيمة، سطع نور الشمس على عينيه. رفع يده ليغطي ضيائها الذي أدمع عينيه. لم يعرف خلف لماذا تفاجئ بإنارة الشمس اليوم، وعلى الرغم من أنها تبدو دافئة ويغمرها بعضً من الظلام اليوم، إلا أن نورها كان مشرقًا أكثر من أي وقتٍ آخر. تفكر خلف، حينما كان يمضي هو وصديقه من خلال صمت الرمال، كيف أن ربه يُحكم الأشياء ويحركها في الفلك. هذه الشمس ذاتها التي تسطع بنورها على رمال الصحراء، عليه وعلى صديقه، كانت تسطع على أشجار وأهل الهند والعراق والشام واليمن لكنها تختلف بشكل ما. لكن يتذكر حينما حج لمكة قبل سنين عدة، كيف كانت الشمس هناك لها هالتها الخاصة. كانت تحتضن الجميع برقة وحفاوة، وتضفي القداسة على الأنحاء. الكل، أناسًا وطيورًا وحتى الحشرات، كان يغتسل في نورها، في قبس نور الله. تفكر كيف أن الشمس ذاتها تشرق على شخص بشكل مختلف عن شخص آخر. فذاك الفقير أو المريض أو من مسه ضر يختلف إشراق شمسه عن غيره من الأغنياء أو من يملكون صحتهم وعافيتهم. حاول أن يتحسس إشراق شمسه اليوم. كانت لاذعة رغم دفئها، وبعيدة رغم قربها. كانت لا تبالي رغم أنها تقوم باحتضانه في أطيافها. لكن كان يستشعر نور الله فيها، ويعرف أن ذلك لا يغيب ولا ينجلي. كل ما على الإنسان أن يفعل هو أن يؤمن بذلك النور ليراه يسطع في حلكة الظلام، ويتبع خطاه ليسير إلى قبس النار فيخلع نعليه ليجد موطنًا قرب الدفء.

كان الأطفال يلعبون بالرمل حينما جاءهم الوعي باقتراب ابيهم. قفز صالح وعبدالله وعلياء من مكانهم بكل لهفة وفرح وركضوا باتجاه أبو محمد. نظر خلف لأوجههم الصغيرة يملأها الضياء وهم يحتضنون ساق ابيهم. انقبض قلبه وهو يتذكر كيف كانت ملامح فارس صغيرة وبريئة قبل سنين مضت. كيف كان الضياء الذي يشع به وجود فارس هو أجمل النعم التي أعطاها الله له. فقد علم بذلك منذ اللحظة التي علم بأن زوجته حاملًا، وحتى اللحظة التي كان يقف مرددًا بها الأدعية والأذكار بصوت متلهف ومنقطع خارج الخيمة التي كانت تلد بها، وحتى أنارت السماء طلقات الرصاص وتعالت أصوات الفرح والزغاريد بقدومه، وأخذت الأفراح والاحتفالات والمباركات تنهال عليهم من كل جانب. كان وجود فارس مناقضًا جميع الاحتمالات. فقد جاء بعد محاولات كثيرة قد فشلت، وبعد محاولات أكثر لإقناع خلف أن يتزوج زوجة أخرى ليأتي بابن يحمل اسمه. كان مثالًا حيًا للمعجزات التي يرزقها الله لعباده، والنعم التي يغدق بها الخلق. لكن ذلك الوجه البريء بعيدً الآن، أبعد من أن يجلب الطمأنينة إلى قلب خلف أو يعاونه على الحمل الذي يحمله الآن، بعد أن قرر بكل عناد حين وصل سن البلوغ أن يسافر ويستكشف بقاع الأرض البعيدة طالبًا للعلم. وكل الرسائل ومحاولات الوصول أو التواصل معه باءت بالفشل. لم تصل قافلة حتى كانت وضحى تصر على خلف أن يتطقسها ويحاول معرفة لو قدِم شيء من جانب فارس، أو لو كان أحدً يحمل رسالة أو شيء من هذا القبيل. لكن كل انتظار لخلف كان يأتي بنتائج لا ترضيه وتجلب الحزن لقلب وضحى أكثر من ذلك الحزن الذي يرافقها بشكل دائم وتتنقل وهو بداخلها.

أحيانًا كان خلف يلوم نفسه على سماحه لابنه بالذهاب ليرافق تلك القافلة المتوجهة لبغداد قبل سنتين ليدرس “الطب الحديث” كما كان يسميه. مازال يتذكر بشكل دقيق حينما أتى له فارس ليحدثه في الموضوع مرة أخرى عند مغيب الشمس، وكيف كان متلهفًا ويملأ عينيه الإصرار والحدة حينما قال “يايبه، شف ولد عمي ابو محمد، هذا هو بالشام ويالله لك الحمد يشتغل هناك وبيرجع معه علمٍ يساعد به ربعنا. ومثل ما تقول ما تقول دايم يايبه “الحكمة ضالة المؤمن” وأنا بأروح أدور هالحكمة الضالة”. تعجب خلف من حدة ذكاء ابنه، وكيف كان ينظر للأمور من منظور أوسع من بيئته ومكانته وعمره، وكيف كان يعرف عن هذه العلوم والأماكن البعيدة التي لم يحلم أحدً أن يزورها أو يطلب العلم فيها غير القليل من ابناء جماعته. لم يكن أحدً يطلب العلم حقًا، فالكثير يذهب ليخوض تجربة ويجمع المال ثم يعود كما كان ويعيش حياة آبائه وأجداده. كان خلف في البداية يظن أنها طيش شباب، مرحلة يمر بها جميع الشباب في هذه البقعة من الصحراء ليحاولوا أن يثوروا على أساليب الحياة وتركيب المجتمع الذي يبدو صارمًا. إنه الحلم الذي يسرق العقل الصغير الهش لعوالم أخرى وحيوات واحتمالات متعددة للعيش، فيطفو ويرتحل بين قصص شواطئ مصر وفتيات الشام وعلوم العراق. كانت تلك المرحلة معروفة عند الجميع، لكن الجميع يعرف كذلك أن جميع ابناء الصحراء امتدادً منها ولها، فهم كشجرة السدر أو الشيح تمتد جذورهم الثابتة على رمال متحركة.

تحرك صالح لجهة خلف واحتضن ساقه بقوة، وتبعه عبدالله وعلياء كالعادة يقلدون أفعاله بحذافيرها، فصاح بهم والدهم “ياغويش، اتركوا عمكم بحاله ورحوا شوفوا لنا أمكم وعمتكم أم فارس. قولوا لهن ابوي وعمي أبو فارس واقفين برا يبون يدخلون”.

 

 

٩

كان الوقت يتحرك ببطء حتى خيل لحمد أن ما حدث في ذاك الفجر كان ماضيًا بعيدًا قد دفن تحت رمال الزمان. مع موجات الاستيعاب كان الحزن يستحل قلبه أكثر فأكثر. في الوقت ذاته كان الفرح يجد مستقرًا في روحه. كان الحزن الذي لحظه يثقل أعين معلمه، خلف، يمر من خلال مخيلته ويترك دخانًا داكنًا من خلفه. ويرى من خلال الرؤية المحجوبة بالدخان كل تلك الأمسيات التي كان يجلس معه عند ضياء النار الذي ينير ظلام الليل من حولهم، ويحدثه معلمه، بنبرة أب، عن تفسيرات القرآن المتعددة والأحاديث وقصص الأنبياء والأساطير والقصص الشعبية. وقدوم زوجته وضحى الذي يقطع الحديث لتأتي لهم بالعشاء في أحيان كثر، وتمسح على رأسه بحنية ودفء الأم وتسأله عن أحواله. جمالها الزاهي التي ترسم خطوطه ألسنة النار كان يخطف أنفاسه، وهي تمر من خلال الليل تحمل نورها الخاص بها. فكرة أن ذاك النور ينطفئ بسبب مرض ما كان يُثقل نفسه ويُتعب أفكاره، ويحز في نفسه أن يرى ابتسامة معلمه التي تشع من بين ملامح وجهه حينما يراها تتلاشى وتغرق في غياهب الحزن. كل ذلك الثِقل الذي يغدق الإنسان في لحظة ما، ويبقى بمكر وحيلة مختبئًا ينتظر أن تتعب فريسته لينقض من جديد، يجعل روحه تنقبض. فقد مر حمد بذاك الشعور ذاته، ويعرف ما يخبئه المستقبل من مخاوف ومساوئ. حينما مات والده لم يكن موته فقط هو المصيبة، فالمصيبة ما جاء بعد ذلك. حتى الترقب والتوجس لم يكن مماثلًا لما يعقبه. ففي البداية يكون الكون متماسكًا صلبًا، حتى لو كان يبدو متزعزعًا وفوضويًا، فقد كان كل شيء ملتصقًا بخصاله والواقع يمكن فهمه واستيعابه، حتى لو كان بعد عدة محاولات. لكن ما إن يأتي الموت، فيضرب بيد من حديد، ويسقط الفأس بحدة على خصال الواقع، ينقطع ويتفكك كل شيء بلحظة. يحس الإنسان أن الكون قد انغلق، ويسمع وقع الفأس من بعيد. ولحظة بعد لحظة يأتي فيضان الواقع الغامر، ويغرق كل شيء يقف أمامه. يتفكك كل شيء ويتطاير لأشلاء في النواحي، وتبدو الفوضوية والزعزعة هي ما يسود. أصوات الصدام والنواح وحتى صمت الحزن المستمر الذي يغلف الأشياء لفترة من الزمن تبدو مزعجة بقدر لا يطاق. كانت فكرة أن يمر معلمه بذلك تثقل عينيه هو الآخر بالحزن. لكن حمد كان يعرف الأمل الذي يأتي بعد ذلك. ففي وسط العواصف والفيضانات التي تفكك خصال الواقع هنالك خصلة واحدة يجب أن يتمسك بها الإنسان إن أستطاع. وحينما يخف كل شيء ويعود لهدوئه ورتمه المتكرر يستطيع الإنسان أن يتوقف عن التمسك ويسقط مرة أخرى في أحضان الواقع ويمضي على وقعه.

الأصوات المبهمة كانت تتعالى حول حمد. حتى سمع عمه ينظر له بعينه الواحدة ويصيح بصوته الجهوري “ولا لا يا وليدي يا حمد؟” فكر حمد للحظة كيف يجب عليه أن يجيب وهو لم يعرف ماهية السؤال. كانت الأعين تتساقط عليه وتنخر ببصرها من خلال جلده. الكل أجتمع عنده بعد أن رحلوا من جلسة أبو محمد. الكل يبارك ويهنئه، والكل يناقش كيف يجب أن تسير الأمور بسبب هذا القرار. أخواله من جهة يدلون بمقترحاتهم، وعمه يصيح بصوته الجهوري باقتراح آخر. لطالما تعجب حمد من فقدان الشبه بين عمه ووالده. فوالده كان يتكلم بصوت هادئ قريبًا للهمس يحمل إصرارًا وحنانًا يخرج من بين كتلتين خفيفة من الشعر وجسمٍ شديدٍ نحيل. بينما كان عمه ضخم البنية بصوت جهوري قريب للصياح يخرج من بين كتلتين كثيفة من الشعر، وبعد مشاركته في تلك الغزوة التي قتل فيها والده كان يرى العالم بعين واحدة فقط.

ألتفت حمد لجانبه وقال “والله يا عم اللي تقوله عين الصواب”.

“لا، يا وليدي، حنا نبي نطلع على رأيك ونعرفه. أنت شيخنا اللحين، وصحيح إنك ولدنا الصغير لكن عندك من علم من كل هالدروس. نبيك تعلمنا كان رأينا صح ولا كانه غلط”.

النبرة التي كان يتحدث بها عمه دائمًا كانت شبه أبوية. ومن الصحيح أنه لم يغب يومًا عن رعايته وأهتمامه ويقوم بتلك المسؤوليات الأبوية على فترات متقطعة، لكن لم يحس حمد بتلك الحنية التي تنساب من والده وحبه له، أو حتى من معلمه خلف.

قال حمد وهو يهز رأسه موافقةً “والله يا عمي أنا رأيي من رأيكم. من زمان وأنا أقول إن الأمور تحتاج تغيير، وإن كثير أمور بالدين مغفلينها والعياذ بالله. والناس يحتاجون اللي يقودهم ويرجعهم للصراط المستقيم اللي يزوغون عنه”.

ابتسم عمه ابتسامة تكاد لا ترى من خلال شاربه ولحيته وارتسمت خطوط التجاعيد حول عينيه “ايه، يا وليدي، هذا الكلام اللي كلنا متفقين عليه. دوم وأنا أقول لأبوك الله يرحمه ويغمد روحه الجنة إنك فطين. لكن، يا وليدي يا حمد، اللي أنا وخوالك مختلفين حوله هو بعض الأشياء اللي يبيلها تغييرٍ جذري”.

تنحنح خاله أحمد وتعدل في جلسته وقال “أنا أقول يا جماعة الخير إن كل هاللغط ما نحتاجه. ربعنا وحنا أدرابهم. والله ما يتزحزحون عن مكانهم. هذي عاداتهم وتقاليدهم متشعبطين بها كأنها مال قارون. أنا أشور عليكم إننا ننصح الناس ونعلمهم بالصواب، ونحاول شوي شوي إننا نرجعهم للطريق الصحيح. ولا لا يا جماعة الخير؟”

تعالت بعض الأصوات بالاختلاف من البعض والاتفاق من البعض الآخر، بينما طغى الصمت على القليل. كان الاتفاق غالبًا من أخوة أحمد، وبعضًا من أعضاء العائلة. قُطعت الأصوات بضحكة خافتة حركت شعر شنب ولحية عمه للأعلى ثم للأسفل، ثم سمعه الجميع يقول “لا لا يا بو عبدالله، عز الله بهذي اختلف معك. الحق وأنا أخوك، ومثل ما الجميع عارف، ما ينسكت عنه. ربعنا ما هم وغدان يبون لهم مداراة واهتمام. كلنا مسلمين وكلنا نبي نتبع كتاب الله وسنة رسوله اللهم صلي وسلم عليه. ومعروف إن إنكار المنكر واجب، والأمر بالمعروف واجب. والمعروف يبي له أمر، ما هو مشاورة. ومثل ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده” ولا لا يا وليدي يا حمد؟”

لاحظ حمد كيف أن عمه اليوم يحدثه بنبرة أبوية غير العادة، وكيف أنه يكرر مناداته ب”يا وليدي” على غير العادة كذلك. أيضًا كان يستشيره بعد كل مرة ينهي فيها كلامه. أحس بشعور من الرضى يغرق نفسه ببرودة منعشة، وأن روحه تتطلع وترتقي للأعلى الآن. الكل كان يعامله بطفولية، ورغم أنهم لا ينظرون له بنظرة دونية لكنه كان يحس بذلك حينما يحادثوه. أما الآن، الجميع يستقي مشورته ويضعه بمقام كان يعجبه. أحس أنه قد كبر الآن وأصبح أكثر رجولة وحكمة.

هز حمد رأسه موافقًا مرة أخرى وقال “ابد، اللي تقوله عين الصواب يا عم.”

قدم صوت خاله صالح من الجانب الآخر بنبرة لا تعبر عن قامته القصيرة قائلًا “يا جماعة الخير، اللي أشوفه أنا إن كل اللي تقولونه عين الصواب. كل الأمر إننا نبي مصلحة جماعتنا ونبي لهم الخير. لكن الشور شوري إننا ننتظر ونشوف. ولدنا للحين ما بدأ يصلي بنا. لكن كل اللي علينا إننا نوقف بجنبه ونسانده بهالوقت. وبإذن الله وقدرته إننا بنقدر نرجع الجميع للدين السليم وملة إبراهيم اللي فطرنا الله عليها. خلونا الليلة نزور أبو فارس ونشوف أحوالهم ونحاول نعرف وش اللي بيصير”.

تعالت أصوات الموافقة مرة أخرى من الجميع، وكان عمه صامتًا يهز رأسه موافقة وتغطي وجهه ملامح محايدة، وانخفضت الحدة التي كانت تملأ المكان. عند ذكر خلف أحس حمد بشعور من الذنب، كيف للجميع أن يناقش هذه الأمور وهم قد رأوا ذات الحزن الذي رآه في عينيه بعد صلاة الفجر؟ وكيف له أن يحس بالفخر أو حتى الفرح وهو يعرف أن زوجة خلف تتألم من المرض الذي انقض على جسدها؟ وما أثار تعجبه هو كيف لنفسه أن تحمل هذا الكم من الحزن والفرح في الوقت ذاته؟

تطلع حمد للخارج بعد أن فرغ مجلسه وكان يرى أقاربه يتفرقون بعد المغادرة واحدًا تلو الآخر. كان عمه آخر المغادرين بعد أن أعاد عليه الحديث ذاته وهو يواجهه بشكل خاص ومقرب. كان حمد يريد أن يصرخ بوجهه ويوقفه عن الكلام، لكن ملامح وجهة المصرة التي تعكس الإصرار التي تحمله روحه جعلته يغرق في صمت خوفه قليلًا. لقد كان ينظر لعمه يودعه ويرحل من تحت الخيمة ثم يسقط ضوء الشمس على ملابسه حين الخروج وفي طريقه وهو يتوجه نحو خيمته. أحس حمد ببعض الراحة ثم سقط الحزن من قلبه حتى استقر في معدته وانتشر عبقه في كل جسده. أخذ جسد عمه من بعيد يبدو كنقطة سوداء بين كل هذا النور من حوله. وأحس حمد لأول مرة منذ موت والده بالخوف والحزن يتصارعا داخله لينتجا شعورًا كان مألوفًا له قبل سنين ليحكم بقوة وصرامة مرة أخرى بكامل سلطته على كل ما يدور بمخيلة أفكاره.

 

 

١٠

كان بعضً من ألسنة النار الصغيرة تتطاير بشرارات تبدو كأنها تحاول أن تبلع الظلام من حولها. وهج الضياء كان يطغى ثم ينخفض. كان ذاك الضياء يحتضن كل ما حوله بدفء وصوت تفكك الحطب تحت حرارة ناره. ملامح حصة كانت تبدو في صراع دائم بين الإنارة والظلام. فحينًا تظهر ملامحها حادة وواضحة في وهج النور، وحينًا آخر تغيب تحت غياب الوهج ذاته. اقتربت هاجر من النار قليلًا ثم أحست بالحرارة التي لسعتها فابتعدت، وسمعت حصة تصنع صوتًا يعبر عن الرفض وأنها لا تريد منها أن تكرر ذلك الفعل. أخفضت هاجر عينيها الكبيرة ونظرت للنار. لاح لها الخيال مرة أخرى في النار، وأحست ذاك الذئب الأسود يحوم في طيات نفسها. ثم ظهر لها وجه جراح، مبتسمًا والدماء تغطي وجهه الشاب. أنقض الوجع عليها كصقر يسقط من السماء ليقبض على فريسته. أحست بعجزها حينما حاولت أن تبعد تلك الصورة عن مخيلتها. وأحست بالعجز أكثر حينما حاولت أن تنفض ذاك الوجع من على روحها. غرس الصقر مخالبه في الفريسة، وانتفضت الفريسة لبعض لحظات قبل أن تخر قواها وتستلقي هنالك عاجزة. هل لهذا الوجع آخر؟ هل سيأتي يوم لا يكون قاحلًا كالصحراء، أو موجعًا كحرارة شمسها؟

رفعت هاجر عينيها وأخرجت نفسًا محاولةً أن تخرج ذاك الوجع الطاغي معه. في وسط الظلام رأت أعين حصة تنظر باتجاهها، ثم أشعلت النار وجهها لترى الملامح التي تحيطها. كان الوجع ذاته يبدو على وجه حصة كذلك. في خضم الليل وظلامه، حينما لا تكون هنالك احتمالات للرؤية، تخرج كل الشياطين التي يخبأها الإنسان في النهار. أحست هاجر أن شخصًا قد أخرج السيف المغروس في صدرها، ثم أعاده مرة أخرى بطعنة أقوى. الوجع لا يُحتمل الآن. واستوعبت أن الظلام الذي يحيطهما يسكن داخلهما الآن. وأن النار، رغم توهج نورها المستمر، لم تكن تضيء ما بداخلهما في وسط كل هذا الظلام، ولم تبعث دفئًا. إنه لمن المثير للتعجب أن على سواد الظلام الدامس يرتسم كل شيء، ليس على النور في عز سطعته. وها هو الوجع يرتسم على وجه حصة، واضحًا كوضوح الشمس. لأول مرة تراها هاجر متعرية لهذه الدرجة. على الرغم من أنها حاولت إرجاع نظرتها المحايدة أو الجادة والغاضبة، إلا أنها فشلت. فالنار أزاحت الستر.

حاولت هاجر أن تتمسك ببعضً من مشاعرها الجياشة، لكنها خابت. ما أن رأت تلك النظرة على محيا حصة حتى قالت “تذكرين النار اللي يشعلها جراح؟ أحسن من نارنا الخايبة يا وخيتي.”

ما أن لفضت هاجر الحرف الأخير حتى سقطت دمعة من عين حصة، وبنفس السرعة نظرت للأسفل. وسمعتها هاجر تقاوم البكاء. لكنها كذلك خابت وأجهشت بالبكاء.

لم تستطع هاجر أن تتماسك وأخذت بالبكاء هي الأخرى. انعكس وهج النار على الدموع التي كانت تتساقط لتبلل رمل الصحراء. نظرت هاجر لجانبها ورأت جسد جراح مستلقيًا على الأرض بجانب ناقته. وقفت ثم مشت بخطوات متمايلة باتجاهه وجلست بقربه. انحنت للأسفل وقبلت رأسه، ثم أمسكت به ورفعته لتضعه على حجرها واستمرت بالبكاء. سمعت صوت حصة من خلفها يرتجف يحاول أن يقول شيئًا، يحاول أن يتماسك وينتج شيئًا يستطيع الإنسان فهمه، لكنها لم تفهم. سقطت الدموع من على وجه هاجر الصغير وبللت قطعة القماش التي تغطي رأس جراح.

“اتركيه بحاله يا بنت وتعالي خلينا ننام” سمعت هاجر حصة تقول من خلفها بصوت يرتجف ويحمل الإصرار بالوقت ذاته.

“بس ابغى أشوف وجهه ياوخيتي. ابي قلبي يتطمن”.

كلامها لم يلقَ جواب، وكان ذلك بمثابة جواب كافي. صمِت المكان، وتحدثت النار بالزفير وكانت تلك لغة حصة كذلك. رفعت هاجر قطعة القماش ورأت وجه جراح المتوقف في الزمن. كان مغمض العينين وبلا أي تعبير يستحق الذكر. لكن تقاسيم وجهه كانت ذاتها. لم يتغير شيء، ماعدا أن الحياة لم تكن هناك. لم يكن وجهه يشع بأي بصيص من الحياة. لكنه كان الوجه ذاته، والملامح ذاتها. وكلها خامدة. انطفأت النار المشتعلة في صدره، وأحتل الظلام كل التقاسيم المتبقية. مدت هاجر يدها الصغيرة ولمست ملامحه. أقشعر جسمها للحظة، لكن ذاك الوجع طعن قلبها مرة أخرى بقوة مضاعفة ودمار أكثر. لم تقدر أن تتماسك وأخرجت نواحًا كان يقدر على سمعه من يقطن في الجانب الآخر من الصحراء.

أحست بخطوات حصة تقترب من خلفها. ثم أحست بيد تمتد وتربت على كتفها. ألتفت اليد واحتضنت جسدها الصغير. ثم جلست حصة خلفها ووضعت ذقنها على كتف هاجر. نظرت للأسفل وسقطت دموع حصة الصامتة على وجه جراح. لم ينتفض. كأنه كان راضيًا أن يغتسل بدموعهما. لكن كلاهما تعرف أنه لن يقدر على الاعتراض. لم يكن لديه القوة الآن. كل شيء غادر جسده القوي. كيف لقوته، لشبابه، كل ما يصنع جراح ورجولته الطاغية أن يغيب هكذا؟ كيف خرج من جسده؟ هل كان ذلك من خلال الدم؟

احتضنتها حصة بشكل مفاجئ. خرت قوى هاجر، وسقط جسدها الضئيل بكل استسلام بين يدي حصة، ووضعت رأسها على صدرها. أحست بدقات قلب حصة المتسارعة وبحرارة جسدها. تلك الحرارة كانت تأتي من نار قد اشتعلت بداخلها، لكنها لم تكن نارها القديمة ذاتها. بل كان اللهيب غير مألوفًا ويتأجج بحرارة غريبة وعالية. حتى الدفء الذي ينبعث منها كان غريبًا.

بقيت الأمور على هذا الحال لوقت ليس بقصير، حتى قاربت العيون على الجفاف. حركت حصة يدها ورفعتها لتمسح ما تبقى من دموعها. ثم أخذت بتكفين وجه جراح بقطعة القماش من جديد. وأسندت هاجر للأمام ووقفت ثم قالت بصوت لم يكن فعلًا ينتمي لها “يلا يا بنت. قومي خلينا ننام. ورانا قومة من فجر الله. الطريق طويل وعيال الحرام واجد وأنا أختك”.

صمتت هاجر لفترة بعد أن مسحت دموعها هي الأخرى. عاد صمت الليل من جديد وسمعت صوت الرمال تتحرك في الظلام بكل سلاسة. كل شيء كان هادئًا للحظة. أحست براحة وطمأنينة تغطي كل شيء في داخلها ومن حولها. كل شيء تلبس بلباس التناغم من جديد. وعلى الرغم من أن الوجع مازال هناك، ولو عكست قوتها لداخلها من جديد لأحست به خامدًا قليلًا. لكن الآن كل شيء أصبح خفيفًا كالظلال، حتى الوجع. لكن الفراغ أستحل مكانه. فراغ موجع كذلك. وعاد السؤال يطرق أبواب قلب هاجر الصغير، هل لهذا الوجع آخر؟

 

 

١١

انصهرت أفكار خلف في لظى النار المندلعة. كانت تحترق وتولد أخرى مكانها للحظات ثم تحترق مرة أخرى، وهو ينظر للنار من دون أن يعي بما يحيطه وكأنه يريد أن يُخرج شيئًا منها. مع كل تأجج للنار تنقطع أفكاره للحظة، لكن كالنار تعود مرة أخرى لمستقر يتبع رتمًا محددًا يغطي كل شيء بعباءةِ من السلام. لم يمض الكثير على مغيب الشمس، وصلاة المغرب، فكل شيء مازال يحمل عبق حرارة الشمس معه رغم أن برودة الليل قد بدأت تتسلل في خبايا المكان وأطرافه. لم يكن خلف يفكر بشيء محدد، عدا أنه ضاع في متاهة مخيلته. كان الشعور مرضيًا، فيخسر الإنسان للحظات وعيه بذاته، ومع ذلك يأتي غياب كل ما يثقل الوعي من أفكار وخيالات وحسابات لكل الاحتمالات القادمة والسابقة.

كانت فكرة ترقب صلاة العشاء، صلاته الأخيرة كمؤذن وإمام، تغلي تحت ذلك الانصهار. لم تكن الفكرة متمحورة بحد كافٍ ليفكر بها خلف، لكنها كانت تأتي كشعور يقطن الأعماق كشيء حتمي يقترب من الوقوع مع كل لحظة تمضي. فمن يكون من دون أن يكون مؤذنًا أو إمامًا؟ وكيف له أن يخدم ربه لو لم يكن هو قائد جماعته؟ بقدر ثقته في اتخاذ القرار، بعد أن استخار ربه لعدة أيام، كانت ثقته الآن مهزوزة مع اقتراب وقوع الحدث. لم يكن يغفل كذلك عن ذاك الغضب الذي يغلي في الأعماق ذاتها، ويحاول جاهدًا مع مضي كل لحظة أن يسيطر ويتحكم بالأفعال. لكن بما أن خلف كان يعده دخيلًا عليه، فلم يعطه مجال أن يتجلى.

اقتربت وضحى من الخلف محاولة أن تمشي بخط مستقيم، لكنها فشلت في فعل ذلك. لاحظ خلف الصوت القادم من وراءه والتفت بلحظتها. لحظ خيال وضحى يترنح بشكل بسيط يشق شفافية الظلام. استقام في حينه ليساعدها، فوضع يده حول خاصرتها. اتكأت عليه وقالت “ما يحتاج تتعب نفسك يا بعد عيني”. نظر إليها خلف بنظرة حنية وقال “ما فيه تعب يا بنت الحلال”.

التف الاثنان حول النار وأخذ الدفء ورائحة الدخان بالالتفاف حولهما وحول الظلام. بلطافة تامة، أسندت وضحى رأسها على كتف خلف وانسدل شعرها الطويل على جسده. أخذ كلاهما بالتحديق في النار وما وراءها. لم يقطع الكلام، أو حتى الأنفاس، ذاك السلام الذي يأتي من الأنس وصمت الليل المحيط. بخفة أستشعر كلاهما وجود الآخر، وانسدل حجاب الطمأنينة على نفسيهما. ليس هنالك ما يعكر هذه اللحظة، والتي عرف خلف بقيمتها الآن أكثر. هاهنا يقطن كل ما يملك في هذه الدنيا، كل ما يجعل قلبه ينبض ويمضي بالنبض. لكنه أحس بذلك الفراغ الذي أحدثه فراق ابنه فارس. وكذلك بالوجع الذي أحدثه الترقب لما سيحدث لزوجته. ومن هنا تتابعت الأفكار كماء ينصب من أعلى قمة جبل. جاء القلق أولًا الذي أحدثه ترقب الصلاة الأخيرة. ثم من بعده الغضب الذي أنفجر ثم تصاعد للأعلى. أحس خلف بعدم الراحة، وحاول جاهدًا أن يبقى في حميمية اللحظة. لكن ذلك الجسر قد احترق وانقطعت السبل.

أمسكت اليد الباردة بيده، وجاء الصوت العذب الذي اعتاده بأنفاس حارة تمسح طرف وجهه يقول “وش بك يا نور عيني؟ وش اللي شاغل بالك؟” نظر خلف لشماله وغرق في نهر مشاعره الغامرة. كان الوجه المُتعب الذي يتطلع إليه بكل حب مغرقًا بالأسى. استنسخت ملامح خلف تلك الملامح الحزينة المُتعبة. أغرقت عيناه بالدموع، ثم شح النظر. نظر خلف للجهة المقابلة بعيدًا عن تلك النظرات التي كانت بالفعل تتعبه في أوج صحتها، فكيف لها أن تفعل به وهي تذبل ويسرقها التعب؟

كان الطيف يقترب من بعيد. طيف نحيل حتى تكاد الريح أن تطويه ليترنح معها. كان الظلام يرسم أطرافه المألوفة. صاح الطيف بأعلى صوته “يا أهل البيت!” فعرف خلف من لحظته من كان المنادي. ذلك الصوت الشاب الذي يحمل طموحًا وإصرارًا في طياته لم يكن لأحد غير لطالبه حمد. أستجمع خلف اشلاء قوته وصاح “يا هلا بولدي حمد!” ردًا للنداء. سحبت وضحى حجابها وتسترت في حينها، وحاولت أن تسند طولها لتقف. نظر لها خلف وابتسم برقة ثم مد يده لها. أمسكت اليد الباردة يده مرة أخرى وقبضت عليها بقوتها. فكر خلف كيف أنه لن يعتاد على هذه البرودة ابدًا، كان يتوق فؤاده لأن يعود الدفء. وقف خلف وبجانبه زوجته، واقترب حمد ناحيتهما.

“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.

“يا هلا، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته” قال خلف، وزوجته تردد من خلفه بصوت هادئ.

“هلابك يا عم. اهلين يا عمة، هاه بشرينا عنك، شلونك؟ عساك أحسن؟”

ابتسمت وضحى بابتسامة متشققة وقالت “ما علي يا وليدي. بخير يالله لك الحمد”.

“يالله لك الحمد من قبل ومن بعد. ما تشوفين إلا كل خير يا رب والله يقومك بالسلامة”.

نظرت وضحى للرجلين وقالت بصوت يحاول أن يخرج الكلمات بوضوح “ما يجيك الشر يا وليدي. أنا بتركم لحالكم أنت وعمك وبروح ارتاح. تصبحون على خير.”

رد كلاهما بصوت واحد “تلاقين الخير يا رب”.

نظر خلف لوضحى وهي تحاول أن تستقيم لتمشي بخطوات مُثقلة. أحس أن ذلك الثقل أحاط قلبه وأخذ ينبض بثقل مع ثقل تلك الخطوات، وغابت أفكاره عن المحيط وغابت عنه فكرة وجود حمد بجانبه. انسرق خلف للحظات لا يعي كم كانت مدتها لكنها كانت تبدو كأن حياة كاملة قد مضت، وكأن خيمة الواقع قد انقضت وقامت مكانها خيمة أخرى تقطنها وجوه لم يعهدها ورياح لم يحسها فوق أرض لا تربطه بها أي صلة. كل تلك التفاصيل قد فُض نسيجها وراحت تبتعد عن بعضها شيئًا فشيء، وهو يقف هناك بلا حراك، وبلا قوة يستطيع من خلالها أن يعيدها لما كانت عليه. أحس بذلك الوزر الذي أجهده من دون ذنب منه. كانت أفكاره تحاول الانفلات منه لتذهب لأماكن لا يستسيغها. أمسك طرف الفكرة وأعاد مخيلته لمكان أكثر ألفة حينما غابت وضحى عن الرؤية واستدار بجسده. كان حمد يقف هنالك مخفض الرأس بلا حراك، وعادت ذاكرة خلف لما كانت عليه في محيطها الواقعي المجرد.

“استرح، استرح يا وليدي”.

جلس حمد في جهة، وخلف في جهة أخرى، وبينهما النار تندلع. رفع خلف دلة القهوة من طرف النار وسكب فنجانًا لحمد وآخر لنفسه. احتل الصمت حيزًا ملحوظًا من الفراغ. لم يكن يعرف كلاهما ماذا يقول، حتى نفض خلف الصمت بشكل قاطع في النهاية وقال “هاه يا وليدي عساك جاهز لبكره؟”

“عسى الله يقدرنا يا شيخ.”

هيمن الصمت مرة أخرى. وعاد صوت النار ليطغى على المشهد بشراسة. كانت رتابة كل شيء تثير القلق، والهواء يبدو مثقلًا برياح عاصفة لا يمكن رؤيتها تزحف من بعيد. غابت تلك الروح الخفيفة والانسياب التي كانت دائمًا حاضرة بين الاثنان. والآن تبدو حدة الهواء بشكل ملحوظ حتى لو مر بينهما أي شيء لقطعته تلك الحدة إلى اشلاء. خاف كلاهما من أن ينطق بشيء ما لا يريد أن ينطقه. حاولت الكلمات أن تخرج لكن ما أن تصل الحلق حتى ترتبك من الخوف وتغوص من جديد. كانت كل تلك الكلمات التي يجب أن تقال مكبوتة في مكان ما يصعب على أن يصلا إليها. كان خلف يريد الوحدة أكثر من أي شيء، عدا أن تعود وضحى وتضع رأسها على كتفه ويحس بكل حملها ينحط على كتفه ليرفعه بكل شجاعة وثقة ويبقى على هذا الحال حتى يرحل أحدهما. لم يكن شعوره يحمل كرهًا لحمد أو انتقاصًا منه، فقد كان يعرف من خلال العلم الذي علمه إياه أنه قادر على أن يحمل هذا الوزر، لكنه كان يبحث عن تلك الحميمية التي يحملها ويجد التبلد قد بنى عشًا مكانها.

لكن ما إن لحظ ملامح الحزن التي تشكلها ألسنة النار على وجه حمد حتى عادت أمواج العاطفة تحمل الحب الأبوي الذي كان يكنه له. وعاد الذنب معه، كيف له أن يسمح لقسوة التبلد أن تعمي بصره عن الحب؟

حاول أن يرفع صوته لئلا تأكل ألسنة النار الكلمات وقال “عارف يا وليدي إنها مسؤولية عظيمة. وأعرف إنك متخوف وشايل الحمل على ظهرك. وهذا شيء طبيعي، لما كنت حول عمرك وسلموني هالمسؤولية فجأة لما تدهورت صحة شيخي أبو عمر الله يرحمه ويغفر له حسيت بها أنا. وهي فعلًا مسؤولية عظيمة. هذا دين ربك، هذي أمور الأخرة ما بها لعب ابد. لكن وأنا ابوك الدين سهل يالله لك الحمد. وكل الأمور تزين لاصارت بالوسط، من دون غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط. لكن الأمر التزام أكثر من إنه أي شيء ثاني. يبي لك تصلي بالناس وتقودهم وتعلمهم الحلال من الحرام. ومثلك عارف الحلال والحرام واضح وضوح الشمس. وأنا ثقتي كلها عندك وأنا ابوك. أنت عارف أمور الدين، وحافظ القرآن مثل اسمك. وهذولا جماعتك ياحمد، يناظرون لك ويتطلعون يبون منك العلم. لا تبخل عليهم. علمهم. لاسألوك عن شيء قل لهم إن الأمر به كذا وكذا وكذا، وخلهم يستفتون قلوبهم. القلب يا وليدي يعرف ربه سبحانه وتعالى. القلب ما يزوغ، حتى لو الشهوات والهفوات أبعدته عن الصراط المستقيم، حتى لو العقل سيطر على الجسم ولعب عليه. القلب ما يزوغ. قلبك عماد نور الله. هو المركز. حتى أنت، استفتي قلبك. القلب مفطور على الفطرة، ويبقى على الفطرة ياما ترجع الروح لباريها. وكل ما حسيت نفسك تزوح عن مركزك ارجع له وتلقاه هناك. اللي يغفلون عنه الناس يا وليدي بالعادة هو إن كل الفتوى وكل اللي يبونه داخلهم. ابد، كل شيء شايلته روحك. مايقصر عنها شيء. الله سبحانه فاطرنا على الدنيا وله الحمد والشكر إنه رازقنا كل اللي نحتاجه عشان نعيش. لو تشوف اللي شفتهم بسفراتي. بشر من كل شكل ولون، كل واحد لسانه يفرق عن اللي جنبه. بهم الأبيض وبهم الحنطي وبهم الأسمر وبهم الأسود الداكن، وبهم اللي خشمه سلة سيف وبهم اللي خشمه كبير ومفروش وبهم اللي عيونه صغيرة وبهم اللي عيونه كبيرة ومغطيه وجهه، روسٍ كبيرة وصغيرة وشعورٍ يختلف لونها وطولها وشكلها. عجيب يا وليدي يا حمد. وما غير تناظر لهم وتذكر ربك وتتفكر. سبحانه وتعالى بمخلوقاته عجب، ولزوم علينا جميع نتأمل ونتفكر بكل اللي تشوفه حولك. وكلهم اللي جاي من الهند واللي جاي من العراق ولا الشام ولا مصر واليمن ولا حتى من بلاد الغرب البعيدة ولا بلاد الشرق اللي أبعد منها. وكلن متكيف على بيئته، ما منهم اللي قاصره شيء. ولما تشوفهم تتعجب وتتسائل بدون حياء ولا خوف كيف البني آدم كذا؟ وما يحتاج الموضوع تفسير طويل إلا إن هذي فطرة ربك لنا يا وليدي. كل واحد بنا بداخله كل اللي يحتاجه. لو ينولد بآخر الدنيا بيتكيف ويتأقلم ويعرف الصح من الخطأ، ويعرف ربه. هذي الفطرة يا وليدي. وربك له حكمته، سواءًا حنا واعين بها ولا لا. ما نعرف الكثير، ولازم يبقى الإنسان يتعلم حتى آخر عمره ويطمح يعرف أكبر قدر من العلم. الحكمة ضآلة المؤمن يا وليدي. ما تدري يمكن هاللي يجي يسأل عن شيء صغير بالدين، شيءٍ واضح، يفتح عيونك على أمور أنت غافلٍ عنها. لأنك بِشر، والبِشر ينسى نفسه ويضيع برتم الحياة اليومية، وينشغل بأمور أهله وعياله وجماعته وينغمس بسوالف الليل ويسرح معها، لكن دايم أحرص إنك ترجع لدينك وعبادة ربك بكل شيء تسويه. ومثل ما قال صلى عليه وسلم “ساعة وساعة”. هالشيء لك ولربعك. خالط الناس، اجلس معهم، اسمع همومهم. مثل ما قلت لك اللحين يتطلعون لك، وكثير منهم بس يبي يشكي، مايبي شيء ثاني. يبي قلبه يرتاح إذا قلت له شيء. ريح قلوب الناس يا وليدي. ناس كثير سايقها الهم وتتعبها أمور الحياة وتخبط الأرزاق. ذكرهم بربهم، وبرزقهم اللي ينتظرهم. ذكرهم بأمور الأخرة ونعيمها. ذكرهم بالوعد القديم، وعد الله لعيسى وموسى ومحمد عليهم السلام جميع. الناس يبون هالأمور، لازم تفهم لجماعتك وحاجاتهم، أنت مو بس إمام ومؤذن وتصلي بهم، ولا حتى بس شيخ. لو يبون الفتوى، اللي يفتون كثير، وأنا موجود ماني رايح لمكان. لكن ما هو هذا اللي يبونه. اللي يبونه هو شخص يتطلعون له، شخص يذكرهم بالله. يبون رمز وقدوة. شيء يذكرهم دايم الدوم. لأن مثل ما قلت لك يا حمد، الحياة تشغل ومشاغلها كثيرة. والقلوب تسهى. والهموم تجي للإنسان من كل ناحية وصوب. اللي علينا إننا نصبر، ونذكر ربنا دايم الدوم. ما ننسى. الذكرى دايم معنا. حتى لو أصابتنا أكبر المصايب، وزادت علينا النقم فوق طاقتنا، لازم علينا نتحمل. “لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”. اللي ما تاسعه نفسك ما راح يثقلها. الله يحكم ويعدل، ومن عدله إنه ما يثقلنا باللي فوق سعتنا… ”

صمت خلف حينما وعى أخيرًا بأن نظرة الحزن التي كانت تعلو وجه حمد تحولت إلى نظرة استغراب تخالط الحزن ذاته. تحسس خلف ريقه وكان ناشفًا كأرض الصحراء في حدة الصيف. أحس فجأة بحرارة النار التي كانت تلسع وجهه حينما توقف عن الكلام للحظات. بلل ريقه برشف بعضٍ من القهوة الباردة المتبقية في فنجانه. تنحنح بصوت مسموع، تماسك ثم أتزن مرة أخرى وقال ” اللي أقوله يا وليدي إن هذا حمل ومسؤولية أنت كفو إنك تشيلها. والله سبحانه وتعالى معك دايم. خل كل هالأشياء نصب عينيك. لا تغفل وتخلي الدنيا تسرقك عن مسؤوليتك. ومثلك عارف يا وليدي، أنا ماني رايح لأي مكان. أنا موجود. متى ما أستصعب عليك شيء ولا احتجت شيء ابد بس سير علي نتقهوى ونتكلم عنه إن شاء الله”.

خرج وعي خلف من المكان غير المألوف الذي غاص فيه خلال كلامه لحمد. استقر الصمت على المسامع والنفوس مرة أخرى. نظر لحمد حينما سكب له فنجان آخر من القهوة، وعرف أنه لازال يحمل ثقلًا يُرى من ملامح وجهه التي تعكسها النار. تطلع خلف في كبد النار، ولم يرَ غير عنف وقسوة حرارتها التي تصهر الحطب لتعيش.

 

 

١٢

كانت أشعة الشمس الأولى تطرق أجفان حصة لتتسلل إلى عينيها وتنير ما حولها. أحست حصة بشيء من الحرارة التي كانت تحاول أن تجفف ما تبقى من الدموع التي علقت تحت جفنيها. تثاقلت حصة أن تفتح أعينها لترى ما حولها، فقد عادت لها الذاكرة أسرع من أي وقت مضى. لم يعكر نومها أي حلم لتتذكره، أو أي شيء آخر. كان آخر ما تتذكر هو بكاء هاجر الذي تصاعد حينما صرخت عليها طالبة منها أن تنام، ثم انغماسها هي كذلك في بكاء مكبوت تحاول أن تخفيه تحت طيات الظلام. لكن ما إن سرقها النوم حتى غابت عن الواقع بشكل تام. كانت تتوق لذلك، وعرفت الآن كم كانت تحتاج أن تنام. لو أن الشمس كانت تحمل قليلًا من الرحمة لاستمرت بالنوم لفترة أطول، وربما لم تعد للصحو ابدًا.

أول ما عاد إلى مخيلتها هو جثة جراح الخامدة الغارقة بالدماء. كانت أشعة الشمس التي انعكس لونها الأحمر على أجفانها هو ما أخرج تلك الذكرى من جديد. لكنها كانت تعرف أنه يجب عليها أن تقاوم وتقوم، من أجل هاجر وجراح على الأقل، لتمضي من خلال الصحراء ليوم آخر. على وجه هذه الأرض القاحلة القاسية، الواقع لا ينتظر لأحد ليمضي قدمًا. الناس هنا تماشيًا مع البيئة ذاتها يجب أن يمضوا قدمًا. لا يستطيع المرء أن ينتظر أو يغامر بأن يستغل رفاهية اضاعة الوقت. لا شيء ينتظر، ولا شيء يكترث للوجع أو العاطفة. كل شيء يمضي قدمًا وتأتي الرمال لتدفن كل ما مضى وما تبقى.

كرهت حصة تلك الحقيقة الصلبة. كانت تريد أن تقضي وقتًا أكثر في النوم، أو أن تنام في ذلك الإغماء التي لا يحمل صحوًا في نهايته. لكن الأمنيات رفاهية أخرى لا تسمح الصحراء بأن يحملها الشخص في قلبه، وإن حملها الشخص يجب عليه أن يجعل قلبه مسكنها وليس أي مكان آخر. كل تلك الأمنيات كانت مجرد سراب، شيء تجريدي يتواجد في عالم الأحلام. مجرد خدعة لا يمكن الوصول لها تقطن في الآفاق. الأمل يحمل الصفات ذاتها. لذلك كانت حصة تقاومهما كلاهما. تطرد كل ما يأتي ليجعل الواقع تجريدًا أو ليس شيئًا صلبًا يمكن لمسه. لذلك السبب ذاته كانت حصة تبغض قصص جراح التي يقصها لهاجر في آخر الليل، بجانب أنه يبقي هاجر ساهرة.

تتذكر كيف يشع وجه جراح فرحًا وكأنه يرى ذلك العالم الخيالي حينما يسرد القصص. كان ينادي هاجر، ثم يطبطب على الرمل بجانبه علامة منه أن يجب عليها أن تجلس بجانبه. حينما تأتي هاجر ركضًا وتجلس لتقشع الرمل جانبًا لتسبب عاصفة رملية صغيرة، يقهقه جراح بأعلى صوته حتى يستلقي على ظهره ثم يطلب منها أن تفعل مثله. يتطلع الاثنان للنجوم، ويطفو خيال جراح في السرد.

معظم تلك القصص كانت خيالية ومعظمها مخيفة. فكان جراح يتحايل على هاجر وينغمس في السرد حتى يجد فرصته ليخيفها. ثم يضحك حتى يكاد أن ينقطع نفسه. رغم أنها تعرف أن هذه القصص أساطير، حتى لو كانت تحمل الحقيقة في جوفها، إلا أن حصة كانت تعرف أن هاجر، من أعماق قلبها الصغير والبريء، تصدق ما يقال لها. فكانت هي الأخرى تلمع مخيلتها وتشتعل ثم تسافر لعوالم أخرى قديمة وأسطورية. وعلى الرغم من أن حصة كانت تكره تلك اللحظات وقتها، لأنها كانت تريد من هاجر أن تساعدها أو أن تربيها على حقيقة البيئة المحيطة من حولهم بعيدًا عن شهرزاد وأساطير الهند والسند وحتى قصص البدو الكرماء ذو الشهامة والأصالة، إلا أنها تمنت لو عادت تلك اللحظات للواقع من جديد لتعطيه بعدًا آخر.

فتحت حصة عينيها مقاومة وهج الشمس. لمحت هاجر في مكانها من غير حراك. أغمضت حصة عينيها بشدة مرة أخرى، ثم فتحتها لترى بشكل أفضل. كانت هاجر متكومة على نفسها بأعين واسعة تتطلع للسماء. لقد جففت أشعة الشمس الأولى دموعها هي الأخرى، أم أنها نفذت ولم تعد قادرة على البكاء؟ أحست حصة بذنب يلسعها لأنها لم تكن تسهر بجانب أختها خلال الليل، أو لأنها كانت أضعف من أن تقاوم النوم وتركته يسرقها.

حاولت حصة أن تجد الحمل الذي سيساعدها على الوقوف الآن، لتواجه اليوم وضياءه، لتواجه سعة البيد، ولتقطع فلاة ثم فلاة أخرى تشابه ما قبلها. كل شيء يتكرر على هذه البقعة، كل شيء يأخذ الرتابة طابعًا متأصلًا في أعماقه. ذلك لا يدعو الشخص أن يتطلع للأمام كثيرًا، بل يدعوه لأن يعرف تمامًا ما تحمل الأرض أمامه في امتداد السعة. ليس هناك الكثير من الخدع، أو الكثير من التغيرات التي تطرأ فتخل توازنه. إلا في حين نادر، حينما يحدث هجومً من قاطع طريق، ويغير الحياة إلى الأبد. على قدر ما تحمله الصحراء من رتابة مملة حارقة، إلا أنها تحمل احتمالات المفاجأة المفجعة كذلك. إن ذلك مما يصنع السحر الذي يطوقها، وذاك الغموض والتوجس الذي يلم أطرافها. كل شيء يتمدد للرؤية، ومع ذلك لا ينجو الإنسان من فجع المفاجأة. أحيانًا، بالندرة ذاتها، يحدث أن يجد الشخص عين ماء، أو فلاة يكسوها الخضار، أو قوم يحملون الكرم على سيماء وجوههم. تبدو تلك الحادثة محض مصادفة، جزءًا من ذاك المخلوق الضخم الذي يتخبط ذات اليمين وذات الشمال من دون أن يجد توازنه ليقف لحظة بلا حراك ويمضي بعدها بحراك منتظم.

تمنت حصة أن يجدوا الماء اليوم، فقط لتكف هاجر عن ذكره. أو الأفضل أن يصلوا للمكان الذي يقصدوه. لم تعرف حصة فعلًا أين يقع ذاك المكان، لكنها تعرف أنه لم يكن بالبعيد. فقد أخبرها جراح ذات يوم أين سيتوجهون واحتمالية من سيجدون. لكنه لم يخبرها عن ذاك الغريب النتن. إنه لمن الغباء أن يرسم الشخص خارطة للمستقبل من دون أن يضع بعضًا من الغرابة أو المصادفة المتوقعة على تلك الخارطة ذاتها. ويجب عليه أن يتوقع السوء، بقدر ما يتوقع الخير. لكن حصة لن تخبر هاجر عن أي سوء كان. كان وجه هاجر الطفولي هو الشيء الوحيد الذي يجعل قلب حصة أكثر هوانًا وهشاشة. لم تقدر على أن تخبرها بأن هناك احتمالية بألا يجدوا الماء، أو حتى المكان الذي يقصدوه.

اعتدلت حصة. التفت هاجر لناحيتها حينما سمعت صوت تحركها. لم ينطق أي منهما بشيء. ظل الصمت متعلقًا حول رقابهما. كانت نارهما خامدة. أخذت حصة حفنة رمل في يدها، ثم تركتها تعود للأرض لتختبر حركة الرياح اليوم. لم تكن الرياح قوية ولا تنبأ بشيء سيغير مسارهم لهذا اليوم. فكرت حصة بأن من الأفضل أن يتحركا على الفور ليسابقا الشمس للوصول لأبعد نقطة يستطيعا. فكل خطوة تقربهما من شيء ما. أحست حصة بأمنية تنشأ في قلبها وتنير الدجى الذي عشعش فيه. كان البصيص خافتًا لكنه ينبض بإشعاع مريح. فكرت أنهما سيجدان عين ماء اليوم، أو أحدً يساعدهما على وجود طريقهما إلى المقصد. بغرابة تامة، كان قلبها الآن يحمل شيئًا من الراحة، شيء من الفراغ الذي يدعو أمل الأماني على القدوم ليسكن جزءًا منها. لكن سرعان ما ظهر، حتى انقض عليه ذاك الضيف الذي يستوطن داخلها الآن.

أنطبق قلبها على نفسه، ثم لمحت هاجر واقفة الآن تتطلع في اتجاه ما. هب نسيم خفيف غير متوقع يحمل رقة لا تقاوم. تناثر شعر هاجر في الهواء، واقتص شعاع الشمس جزءًا من ملامحها. تطلعت حصة في اتجاهها وأحست بابتسامة ضئيلة خافتة ترتسم في مخيلتها.

 

 

١٣

تداحمت الأفكار حتى وصلت حد الزحام. كان حمد متكئًا في خيمته بعد منتصف الليل يحاول في عجزه التام أن يوقفها أو أن يبطئ تسارعها. كانت أفكاره تتسابق في مخيلته وترتطم بحائط ما ثم تعود مسرعة لترتطم في الجانب الآخر، تسقط ثم تنهض مرة أخرى وتفعل ذلك من جديد. سبق أن حاول أن يدفنها تحت غفلة النوم، أو تحت سرد الأذكار أو التأمل البسيط، حتى في صلاته، فقد حاول أن يقوم الليل، لكن الأفكار لم تغادر، وحدتها ازدادت كلما حاول مقاومتها. بعد وقت ليس بالقصير، أستوعب حمد أن أفكاره كانت تتمحور في جحر لا مهرب له.

كان شعور الوحدة والحزن مهيبًا، يطبق على روحه حتى ظن أن أنفاسه ستنقطع. حتى الرهبة كانت تختبئ في طياتهما حاضرةً على الدوام. أحس أن الهوان أثقل روحه، ولم يجد فيها قوة للمقاومة. ومع ذلك، لم يستسلم قط. حاول بكل مجهوده مرة بعد أخرى أن يدع أي شيء آخر يسرقه، لكن جميعها كانت هباءً ومضيعةً للجهد والوقت. لقد كانت أحداث الليلة تثقل نفسه، ومازالت تتكرر الأصوات والمشاهد حتى تعود حدة الموقف وذاك الشعور الغريب الذي طغى على المكان. وحقيقة أن صلاة الفجر، صلاته الأولى كمؤذن وإمام تقترب لم تساعد أبدًا وتلقي بحملها هي الأخرى لتسقطه صريعًا ضحية أفكاره.

فكما تم الاتفاق، قام أخواله وعمه بزيارة معلمه خلف بعد صلاة العشاء. في بداية الأمر كانت جمل الترحيب التقليدية وجمل المؤازرة والذكر المتوقعة في حالة كهذه حاضرة بكل طغيانها. وكان حمد يشعر ببعض الراحة لأنه لم يجب عليه أن يتحدث أو يواسي معلمه، فقد كان الكبار هناك ليقوموا بهذا الدور. ثم أخذ الحديث مسارًا متوقعًا ليتشكل من أحاديث خفيفة وعابرة لتطمئن الجميع وتنعش المكان وتبعد غمامة الحزن التي كان تطفو فوقه. أخذت الكلمات تعبر من أمام حمد من دون أن تسقط لينقطع الحديث في الفراغ التام، وأحس بشيء من الخفة لفترة.

ثم أخذ الحديث مسارًا آخر، وأحس حمد بشيء ينقبض في معدته ويعصر قلبه. تحدث عمه بصوته الجهوري عن دور حمد الجديد، وكيف لذلك أن يحدث تغيرات بين الجماعة، وربما سيمتد للجماعات المجاورة. كان صوت عمه يحمل حدة الإصرار ذاتها، ويسقط ليحدث رنة في أذان المستمعين. فقد عرف حمد، وظن أن الجميع عرفوا الشيء ذاته، أن عمه لن يحيد عن هذه الأفكار ومسار الخطة التي يرسمها للمستقبل. كانت الأعين تتطلع باتجاهه وتحمل تقريبًا النظرة ذاتها. البعض كان يلحظ على أوجههم ملامح الرضا والابتسام، بينما البعض الآخر تنعقد ملامحه دلالة على أن الكلام يخالط الأفكار ليرتبها ويعرف فحواها. أخواله كانوا بين حين وآخر يهزون رؤوسهم علامة التأكيد والاتفاق.

من بين الجمع تطلع حمد لوجه معلمه، لكنه لم يلمح شيئًا يسهل تفسيره. كان ذلك الوجه وجهًا آخر، وكأنه وجه غريب لا يعرفه. كانت الجدية تظهر على محياه، لكن من يعرفه جيدًا سيرى الحزن الكامن في تلك النظرة. لكن ما أثار عجب حمد حقًا هو اللامبالاة التي لم يعهد رؤيتها على محيا معلمه. كان يبدو خاويًا من الروح التي كانت تجوب جسده وتشع على محياه. خلف، لاحظ حمد، لم يعد هنا بعد الآن. كانت مخيلته تقطع بحورًا لم تزرها، وأراضٍ لم ترها الأعين. كانت مخيلته تفرز الاحتمالات وتحسب مسارات الأقدار، وتلهث وراء شيء لا يراها الجمع الحاضر.

كانت كل فكرة تقذف في اتجاهه لا يتجنبها ويدعها تمر من خلال الخواء الذي يتشكل على شكل جسده وتسقط في مكان آخر. كان حمد يرى كيف أن الرجال كانوا يتصرفون بشكل طبيعي وكأن شيئًا لم يحدث أو أن في هذا الوقت كان كل شيء كما كان عليه في الأيام الماضية. كيف لا يحس الإنسان بكل ذاك الألم الذي يطغى على كيان أخيه؟ كيف لا يرى هالة السواد وخيالات الشياطين التي تنهك جسده؟ كان الجميع يتصرف وكأن ملك الموت لا يتجول في الأرجاء ويقترب ليستنزف الحياة في هذا المكان. كان الجميع يقفون في مواجهة الموت غافلين عن ذاك الظل الذي شُيد ليغطي كل شيء تحت ملكوت ظلامه الحالك الكهل.

في نهاية الحديث، وبعد أن طال الجدال والذي لم يصل لنهاية واضحة، وفي الغالب كان من جانب عمه وأخواله ماعدا اللحظات التي يتدخل فيها خلف ليجمع قواه ويجهد نفسه ليقول تعليقًا أو يظهر اختلافه في نقطة ما، تفرق الجميع وذهبوا لكيلا يطيلوا السهر بعد صلاة العشاء. كان الجميع مجهدًا، وتوضح عليه علامات التعب، فقد كان من العرف ألا يطيل أحد السهر بعد صلاة العشاء إلا في المناسبات الخاصة مثل الأعراس والأعياد والاحتفالات والتي لا يطول فيها السهر لوقت طويل كذلك لكنها تكون مليئة بالقصائد، المغناة منها والملقاة، وأصوات البارود ومبارزات السيوف والزغاريد، والرقص الاستعراضي بكافة أنواعه. فمن الملحوظ أن المشاعر هنا، والتي في الغالب تكون جماعية، تقطن في جهتين متباعدتين ومتناقضتين، ففي الأفراح يكون هنالك مبالغة ملحوظة في الاستعراض احتفالًا وتعبيرًا عنها ليعرف الجميع، وفي الحزن يحفر الانسان لنفسه جحرًا عميقًا ويدفن فيها نفسه منعزلًا ومنطبقًا على ذاته برفقة تلك الأحزان.

حمد، وبالغالب معلمه كذلك كما لاحظ، يقطن في جحره الخاص الآن. ساهرًا من خلال الليل مستوطنًا كل ذلك الظلام الذي يحيطه. كان يعرف أن الفجر سيأتي، وسيأتي نوره من جديد، وعليه أن يخرج ليواجه كل ذلك. عليه أن يقف ويرفع صوت الأذان. عليه أن يصلي بجماعته. وعليه أن يحضر لما سيقوله بعد الصلاة. فهو يعرف موضوع خطبته كما وضعها عمه وأخواله، لكنه كان يعول حمد على أن يفعل مثل ما كان يفعل معلمه تمامًا، أن يقف أمام الجميع ويتحدث بأي شيء يخطر على باله في تلك اللحظة. لكن الشك لم يترك حمد ساكنًا في راحته، فقد ساورته الشكوك بأنه لن يقدر على فعل ذلك، والآن عقله مغمور بكل تلك الأفكار التي تتطاير وتسقط لتحدث ضجيجًا وتجلب عاصفة رملية تحجب الرؤية.

مر الوقت ببطء وبسرعة معًا بشكل لم يتخيل حمد أنه ممكنًا. فالآن قد تسرب شعاع النور ليصارع الظلام ويوحي بقدوم وقت الفجر. تخطى حمد حدود خيمته ليخرج في عري الفلاة الذي كان يمتد للآفاق. بدأ الضياء يتمدد ببطء ليبدد ظلمة الليل الحالك. توقف حمد للحظة وتطلع لما حوله، كان يرى المشهد ذاته الذي يشهده كل يوم. نظر باتجاه خيمة خلف ولم يجده واقفًا أمامها كعادته أو متوجهًا لمكان الموضئ، كان يرى خياله جالسًا عند ناره في انتظار شيء ما. كان هذا الفجر مختلفًا، فكل شيء مازال يحمل رهبة الظلام وسواده. لم يكن الضياء الخافت الذي ظهر على الآفاق بكامل قوته ليقشع الظلام بشكل كامل، فمازال حمد يرى كل ذلك الظلام الذي ابتلع أركان المكان خلف الخيام.

فعل حمد ما كان يفعله شيخه تمامًا. توجه للموضئ ليتوضأ، ذهب لمكان المسجد ليرفع الأذان، ثم أقام الصلاة وصلى بجماعته. كان الاختلاف الوحيد هو أن التوتر والرهبة كانت تسكن أطرافه التي كانت على وشك أن ترتجف من البرد الذي سكنها لفترة مطولة. لكن تلك اللحظات مرت والآن بغرابة تامة لم تعد تبدو كأنها وجدت. وها هو يواجه تحدٍ صغير جديد، لا يشعر به أحد سواه. شد حمد قبضة يديه، أخذ نفسًا عميقًا ثم أدار ظهره لجماعته.

لم يعتد على المنظر، على الرغم من أنه وقف أمام جماعته ليتحدث من قبل، لكن الآن كانت هناك مسؤولية وعبء على أن يصبح شيئًا أكبر مما هو. كانت الأعين المألوفة التي تنظر له تنخر من خلاله وكأنها كانت تريد أن تحلله ثم تأخذ قطعة منه. كانت بعض الرؤوس منخفضة، وخلف من ضمنها جالسًا في منتصف الصف الأول. كانت ابتسامة عمه الجالس بجانب خلف وهو ينظر إليه واضحة كوضوح مقاومته لعدم إظهارها. لمح حمد بعضًا من الفخر والاحترام في عينيه كذلك، وفي أعين أخواله أيضًا. زاد ذلك من الرهبة والتوتر. لكن عرف حمد أن لا مكان للتفكير هنا، وعليه أن يفعل شيئًا. ففي أغلب المواقف على الانسان أن يفعل عوضًا عن أن يفكر، لأن الواقع وحيثياته تتأثر بالفعل وليس التفكير. والآن كل شيء توقف منتظرًا فعله ليتأثر به.

استقام حمد والقى نظرة على من هم أمامه، ثم تنحنح واستطرد قائلًا:

“إن الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا أينما اتجه عبده المؤمن واستقر، وصل اللهم وسلم على نبيه محمد آخر الأنبياء والرسل، أما بعد:

أخواني، إني أخاف الله فيكم وأخاف الله في نفسي. وإن المسؤولية المسندة لي تثقل نفسي، كما اثقلت شيخنا الجليل أبو فارس لسنين عدة. ولله الفضل من قبل ومن بعد، وثم لمعلمي وشيخي أبو فارس جزاه الله خيرًا. ومن هذا المنطلق وبعد حديث قد جرى مع الشيخ وعدد من الأشخاص لمن لديهم من العلم والسداد فقد قررنا على أن يكون هذا الوقت للتذكير عوضًا عما كان يفعل الشيخ جزاه الله عنا ألف خير. فكل يوم سيكون هناك خطبة بعد صلاة الفجر، وتتأجل كافة الأحاديث والأخبار لما بعد ذلك”. نظر حمد لتلك الأعين التي تتطلع إليه ولحظ بشكل خاطف نظرة لم يميزها تطغى على وجه شيخه وعددًا من الأشخاص. كان الاستغراب يخالط المفاجأة فيصنع شعورًا غريبًا وغير مريح ليطفو في الأرجاء. استمر حمد قائلًا:

“أخواني المسلمين، لا يخفى عليك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل.” وما ينطق صلى الله عليه وسلم بغير الحق السديد السليم. أخواني المسلمين، كلنا نعرف أن الموت يحاذي الإنسان في حياته، ويجري مجرى الحياة في صحوه ومنامه. وما حصاد الإنسان من حياته غير تقواه في دنياه وحصاد أعماله لآخرته. وإني أخشى أني أرى ما يحدث اليوم من تضييع للوقت، ونسيان للموت الحق، ولعذاب القبر وعذاب الآخرة، أجارنا الله من نارها وضلالها. إنه النسيان، تلك الصفة المرافقة للإنسان، والغفلة عن الموت وتبعاته. أخواني، ما التذكير بالموت إلا تذكيرًا بالحياة، ففي الحياة يُحضر الإنسان لمماته وللحساب من بعد ذلك. ومعاذ الله أن نغفل عنها ونغط في غفوة الغفلة وننسى يوم العذاب والحساب. فكم منا تسرقه أنغام الحياة بكل ما تحمل من ملهيات وأهواء، وكم منا بغفلة الانسان المفطور عليها يجعلها تجرفه بذاك الطوفان لترمي به خاسرًا على ضفاف نهر المعاصي والعياذ بالله. وجميع هذه الأمور، أخواني، هي ما يظن الانسان أنها لا تزن في ميزان أعماله شيئًا لكنها عند الله معصية عظيمة. ولا يغفل العاقل أن يرى مثل هذه المعاصي التي يغفل عنها الناس وتبقى بالاستمرار في حياتنا اليومية حتى تصبح جزءًا من الحياة وعادة يعتاد عليها الناس حتى تصبح شيئًا لا يكترث به الكثير. والأمثلة على ذلك كثيرة جزاكم الله خيرًا ولا خير يأتي من تعدادها. وإن طرأ ذكرها فهي للتذكير والنهي عن المنكر، وهذا هو واجب الانسان وجزءً من عبادته. فقد قال سبحانه وتعالى: “فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين”، وقال: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر”. أخواني المسلمين، إن المؤمنين كالجسد “إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. والله إنه لحمل يثقل عاتق كل مؤمن، ويحزنني أننا قد غفلنا عن هذا العمل والعبادة العظيمة. فاتقوا الله في أنفسكم، واجعلوه نصب أعينكم في حلكم وترحالكم. فكما ذكرت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، إننا في الدنيا كغرباء وعابروا سبيل. والخاسر منا هو من يسقط في غرامها ويتبع أهواءها ويتمسك بها حتى ترجع روحه للباري جل جلاله. والرابح هو من يرى حقيقتها كاختبار وجسر عبور. أخواني المسلمين، كلنا عابرون، لم يهرب من الموت الحق حتى أشرف الخلق عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، لكننا والله محاسبون…”

طلى الحزن والخوف تلك الوجوه التي كانت تصارع الغفو قبل دقائق معدودات. أحس حمد بقوة التأثير التي تحمله كلماته وبدأ يتفهم موقف عمه وأخواله عندما اختاروا هذا الموضوع واختاروا هذا الوقت للبدء بحملة “تجلب الناس من الغفو للصحو” كما قال أحد أخواله. بثت في روحه شجاعة لم يعرف وجودها وبحث عنها لفترة طويلة سبقت خطبته واشتعلت نيران الإصرار والحزم. بعد وقفة ليحس الناس بوقع الكلمات التي قالها عاد حمد لخطبته بصوت يحمل شموخًا وسطوة:

“… أخواني المسلمين، إن ما في الدنيا لا يساوي مثقال ذرة في مقابل الجنان التي وعدنا بها الباري سبحانه وتعالى. وكما قال سبحانه: “لا يخلف الله وعده”. أخواني المسلمين، إن الآخرة هي المستقر الحق، وإن الانسان تتعبه أسفار الحياة وأثقالها لكنها والله ليست إلا دار عبور لذلك المستقر الأخير في الفردوس الأعلى بجانب رسوله صلى الله عليه وسلم. إن رضوان الله وعبادته هو ما يجب أن يشغل العبد. حتى الكوارث والهموم التي تسقط على العبد ماهي إلا اختبار منه جل جلاله، وماهي إلا أحداث عابرة. فإن الله يرفق العسر باليسر، ويرفق اليسر بالعسر، ليعرف الانسان ما فاته ويتذكر عباداته ويعود للصراط المستقيم…”

أكمل حمد الخطبة بارتجال تام عن مخاوف الموت ومساوئ غفلة الانغماس في مسرات الحياة وأعاد التذكير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كان وقع الكلمات صاعقًا كصوت رعد وسقوط برق يسقط على الفلاة فيقذف الرعب في القلوب ويصم الأذان عما سواه. انتشى حمد نسمات هواء كأنه يحسها لأول مرة. نظر للوجوه وكان ذلك الوقع مازال واضحًا، وذلك الفخر في وجوه عمه وأخواله وبعضًا من جماعته الخاصة كذلك ملحوظًا.

حالما انتهت الخطبة قام الناس ليصافحوا مؤذنهم وإمامهم الجديد. كانت التبريكات والبشارات وعبارات الثناء تملأ المكان المزدحم باللذين شغلوا المساحة أمام حمد، على الرغم من أن بعضهم تفرقوا ليعودوا لما كانوا يفعلوا ليبدأ يومهم الحافل. تطلع حمد للوجوه ليرى إذا كان معلمه هناك، لكن لم يلمح وجهه المألوف. نظر حمد من بين الأكتاف التي تزاحمت أمام نظره في غفلة تامة عما يقال، فلمح في البعيد خيال يتثاقل الخطى المكسورة يمضي للبعيد تجاه ذلك الضياء الخافت الذي يسبق شروق الشمس.

 

 

١٤
اختبأت الشمس خلف الغيوم مرة أخرى وكأنها تلاعبها. كان امتداد الصحراء يحمل رقة وحميمية غامضة الآن. كل شيء أمام ناظري هاجر كان يحمل خفة لا تقاوم كذلك. على المدى البعيد، امتد ذلك التل الشاهق الذي يقارب على أن يلامس السماء. كل تلك المشقة والعناء التي تنتظرها على مطلع ذلك التل لم تعنِ شيئًا الآن. أنفاسها، وللمرة الأولى من فترة طويلة، كانت تحمل رقصة في زفيرها ورقصة أخرى في شهيقها. لم تطل هاجر التفكير في مصدر ذلك أو في حقيقة أنها لم تجد الثقل ذاته التي اعتادت على حمله. كل شيء يتناغم ويتداخل برقصة وجوده الأحادية، وهاجر هناك تنظر له وهو يمر من خلالها من دون أن تعكر صفوها.

كانت الأجواء التي تحتضن المكان تساعد في ذلك كذلك. فقد اقتربت الغيوم من بعضها حد التداخل، وابتعدت الشمس حد الدفء ولم تكن سطوتها حارقة الآن. نظرت هاجر لحصة وهي تمتطي ذلك الجمل ونظرت لجراح خلفها. عاد شيءً من ذلك الحزن لروحها، لكن سرعان ما غاب بين عواصف مخيلتها. ثم عادت تلك الصورة الجميلة الشاعرية التي تطفو في مخيلتها حين الوجع. كانت تلك الصورة من أقدم الأشياء التي تقدر هاجر على تذكرها. في الحقيقة، لم تحاول هاجر أن تتذكر غيرها قط. كانت تلك الصورة هي القادرة على أن تعيدها لمكان حيث يتزن كل شيء ويتفق، وتعود الحياة في سياق ورتم يحمل الأمل والحب معًا. فحين تتذكر تلك الصورة تعود لها تلك المشاعر الغامرة، وذلك الشوق الذي يحوم في مخيلتها على مر الوقت. لم تخلُ تلك الصورة من الوجع الخاص بها، لكن ذلك الجرح قد التأم وأصبح، بغرابة تركيبة الانسان ذاتها، من اللذة أن تمر الحواس من عليه ليعود حنين الذكرى الذي يحتضنها بتوق الحب. وفي حال لمسها تأتي الذكرى كعاصفة رمل لتحيط كل شيء في طريقها، فإن كانت الذكرى تحمل ذلك التوق الجميل يتحول الرمل لنسيم عابر يلامس الجسد برقة ولا يخدشه، وإن كانت الذكرى تحمل ذلك الوجع المخيف يزيد الرمل في عصفه فيخدش القلب ويدميه.

كانت الصورة كما ترسمها مخيلة هاجر تتكون من مقطوعات خافتة تطفو على سطح الذاكرة ثم يغوص بعضها في الأعماق وتغيب. نسمات هواء تلاعب غطاء الخيمة فينقشع عن المنظر حينًا لينساب ضياء الشمس الناعم من خلاله أو يعيده لمكانه فلا يبقى غير ظلال النهار يحجب كل شيء. من خلال ضياء الشمس في الخارج وفي الأفق تقف امرأة مألوفة جدًا حتى تتوق لها النفس من ألفتها لتتغنى بصوت شجي لطيف بينما تنحني من فترة لأخرى لتقضي حاجاتها. ثم، بخفة الظلال، تأتي وكأنها تطفو ولا تسير على الأرض بأيادي ممتدة بحميمة وشوق وحب لترفعها من على خشونة الأرض وصلابتها إلى الأعلى وكأنها تضعها بين الجنان ليأتي الهواء العليل ليلامس وجهها الطفولي وهي تغفو في دفء أحضان ذلك الحب المتجسد.

ثم تنقطع الصورة، وتبقى شظاياها على صورة شعور يبحر في نفس هاجر لبعض من الوقت. يشع الكون نورًا في تلك اللحظات ويعم الفرح والسرور الأرجاء لتقع أعين هاجرة الواسعة عليه. فتتراقص النجوم في الليالي المنيرة حول قمرها المشع، وتحتضن الشمس كل شيء بين أحضان شعاعها الدافئ في الأيام المشرقة. فيلوح الأمل في الآفاق، وتبقى الذكرى تعود من جديد لتجدده، لتمد هاجر يداها بكل إيمان لتقطف بعضًا من ثمره. فعلى المدى وتحت حرقة الشمس تجد الماء الذي سيروي عروقها، وفي ظلمة الليل تجد القمر ينير سبيلها أو نارًا تقتبس بعضًا من دفئها. لكن، وكما هو الحال، ما أن يعود الصحو الواقعي لحالته الطبيعية حتى تجد هاجر نفسها على خشونة الأرض وصلابتها محدودة بين طبقات الواقع وتحت حرارة الشمس الحارقة أو وحدة الليالي القاتمة.

  • “يا بنت يا هاجر” سمعت هاجر صوت حصة يناديها من الأمام.
  • “لبيه يا وخيتي” أجابت هاجر.
  • “عجلي، لزوم ناصل فوق هاك التل قبل ياصلنا الليل. الله أعلم إن وراه عين ماء ولا بير، ويمكن نلقى لنا قوم كود يساعدونا بالماء والزاد ولا يدلونا على الطريق الصحيح”
  • “على الله يا وخيتي ناصل للماء قبل يخلص اللي معنا ويلحقنا الظمأ”

كانت الشمس قد انتصفت باتجاهها إلى الغروب حين وصلتا على قمة التل. هبت نسمة من الهواء العليل الذي سكن اليوم كله لينعش الأنفس. توسعت أعين هاجر وارتسمت ابتسامة على وجهها الطفولي. نظرت باتجاه حصة ورأت بعضًا من بقايا فرح ورضا وارتياح قد لاحوا على وجه حصة ليتلاشوا مجددًا تحت وجهها المرصع بالوجع وحرقة الشمس. نظرت هاجر للفلاة التي تتوسط أسفح التلال التي تحيطها ولم تصدق ما تراه. توسط عين الماء الذي يعكس زرقة السماء تلك الفلاة محاطًا بالنخل والأعشاب. كان المنظر ساحرًا، ولوهلة مخالفًا للواقع، فقد كانت عين الماء نقطة زرقاء ساطعة تحيطها الخضرة ثم تعود رمال الصحراء الصفراء القاحلة داكنة اللون لتمتد على مد البصر من حولها. لم تسع قدرة هاجر على التعبير بأن تجمع الأفكار لتنطق بها من هول الصدمة وسحر المنظر الخارج عن المعتاد. كان المنظر أعجب من الحلم وأكبر من الأماني. صمت حصة كان يعبر عن العجز ذاته.

“لا إله إلا الله…” تمتمت هاجر قبل أن تأتي نسمة هواء تحمل بعضًا من الحرقة وبعضًا من الرمل. أحست هاجر بلدغة في أعينها. أطبقت جفنيها وأحست برهبة أن يكون هذا حلم فتفتحهما فلا تجد الماء من جديد. دعكتهما بيديها ثم فتحتهما لتجد أنهما يعكسا ذلك الواقع الذي فيه يتحرك سطح عين الماء برقة مع نسمات الهواء.

 

 

١٥

كان ذاك الجسد النحيل الذي عرفت دفء معالمه عن قرب وحميمية يترنح على المدى ليقارب على الانكسار، متوشحًا بذاك السواد المتباعد الذي يطلي الأنحاء من حوله وهو يقتص طريقه من خلال ضياء الصباح الخافت الذي يحاول التسلل من أسفل الأفق. كان القلق يساور خلجاتها طوال الليل الطويل الذي لم يبدو بأنه سينتهي. كان نومها متقطعًا ويتقاعس في رتيبته، لكن ذلك لم يكن طارئًا جديدًا، فمنذ أن انقض عليها هذا المرض وهو يجردها من قواها واحدة تلو الأخرى حتى كاد أن يجردها من نفسها. كان ذلك التجرد قد وصل حد أنها لم تعد تقوم بتلك الأعمال الروتينية التي تقوم بها في عادتها، من تجهيز الإفطار لزوجها حتى العشاء ورفقته خلال ساعات الليل. إن أعظم ماحل بها، بسبب ذلك المرض قطعًا، هو ذلك الشعور بعدم الجدوى. كل ما عداه لم يكن ذا أهمية، حتى الأمل وغيره من التجليات النفسية التي تمتطي نفس الإنسان لتعاونه على المضي. لكنها الآن لم يعد لوجودها جدوى غير أنها أصبحت عبئًا، جسد نحيل تحت سلطة المرض وبأيادي ملك الموت تحف تفاصيله. وها هو يتجلى ذلك على جسدها يومًا بعد الآخر، حتى أصبح هو صورتها الكاملة. فهي لم تكن عجوزًا رغم تقدمها في العمر، وتعرف أن جسدها، قبل هذا الكرب، كان يحمل سنينًا عدة من البقاء والقتال. لكن الآن يبدو أن السنين تسارعت وقد أقترب جسدها من التخلي عنها بشكل كامل، مثل كل شيء آخر حولها. وها هو يأتي ذلك الخيال التي توحي معالم انكساره بأنها جرفته معها إلى تلك الهاوية التي يتسارع سقوطها فيه.

تجردت صورة خلف حتى أصبحت ملامحه الهزيلة واضحة في ضياء العين حين أقترب. رأته وهي تقطن على فتحة الخيمة في محاولتها للوقوف، وسرعان ما تحولت تلك الصورة إلى شبح يجر أشباح الظلام من خلفه ويمضي بجانبها من دون أن يعير وجودها أي اهتمام. أحست بموجة برد أتت من الخارج الآن واستقرت في عظامها، وسرقها الرجف للحظة. التفت لتراه قد أخذ مقعده المعتاد وملامحه محزمة على بعضها.

توجست من الاقتراب، فهي على معرفة بهذا المزاج الذي يتلبس الغضب كغطاء له. أصبحت ملامح المكان المحيط أشد قتامة وكأن ألسنة الصباح قد تراجعت واختبأت بين السحب وخلف الجبال. حتى في صدرها، اشتدت عظامه على بعضها حتى غاب عنه الانشراح ووضعت الأوزار لتثقل ظهرها. نظرت لخلف ورأت ذلك الوجه الذي أحبته وعيونه الصغيرة المنيرة الغارقة داخل معالم وجهه لتأطر العظام جمالية الأعين وعرفت أن ذلك يتلاشى شيئًا فشيئًا، وتبدو معالم السنين التي مرت ترتسم حول الخطوط وبين المسامات. وكأنها استوعبت للتو أن هذا الرجل المقاتل العنيد لم يعد كذلك، لقد هزمه الزمن في مضيه نحو كل ما هو محتوم. إن حتمية الموت تفرض شيئًا خفيًا يتربص بكل أرجاء الحياة، وما أن يأتي الشخص لمواجهة الموت ذاته، أو حتى تذكير به كموت أحد ما أو اقتراب موت آخر، حتى تنسل خيوط الواقع ويتجرد على شاكلته الفانية. لقد مرت عليها تلك اللحظات في أوقات متفرقة في حياتها، حينما حدقت، للحظة خاطفة، في وجه الفناء العبوس. لكنها الآن تقطن في ذاك المكان، تحيطها رمال العبثية والفناء في تموجها ورقصها اللانهائي.

إنها ترى الشيء ذاته في أعين زوجها وفي تقوقعه في مكانه. لكنها ستحارب وتقاوم إلى الرمق الأخير، حتى تسقط في حتمية لحظاتها الأخيرة ليرقص ذلك الفناء على جثتها. كانت تبحث بشكل مستمر في مخيلتها عن كلمات تقولها وعن كل الاحتمالات التي ستقود له تلك الكلمات. لم يكن أي من تلك الاحتمالات يقود لإيذاء جسدي أو شيء من هذا القبيل، لكن توجسها ينبع من تضخم الأمور وهي تسير الآن في اتجاه معين. فكل شيء تغير منذ أن اعترفت، لنفسها أولًا، بأعراض المرض وبأحساسها بالوهن يومًا بعد آخر. لقد تغيرت مشاعرها تجاه نفسها، وتجاه الحياة، وأحست بشكل غير قابل للدحض أن علاقتها مع زوجها أولًا والآخرين من حولها قد تغيرت. تمنت لو أن الأمور لم تكن على هذا النحو، لو عادت الحياة لما كانت عليه، حتى تلك اللحظات التي لم تستلطفها في السابق تمنت لو عادت وغمرت وجودها. إن أشد ما خافت هو أن يتوسع هذا التباعد بينهما.

بعد لحظات خرج من شفتاها كلام لم تعي هي كيف خرج أو ما هو مصدر عفويته، قالت “وش بك يا نور عيني؟”

استقر السؤال في المنتصف ولم يتقدم في أي اتجاه ولم يرجع لها كذلك. تعلق كل شيء للحظات. واستمرت بالنظر له وهو يحدق في الأفق أمامه من غير حراك أو تغير في الملامح التي ارتسمت على وجهه. عاد السكون لكل شيء إلا في خلجاتها. كانت المشاعر تتلاطم وتثور، لكنها لم تملك الكلمات لتعبر عنها أو الطاقة لتكبح جماحها. نظرت هي كذلك في الأفق، ولم ترى غير صراع حميمي بين وهج نور الشمس في أول الصباح وظلمة الكون الحالكة. انتصر شعور ما على ما حوله وأتى يطفو في نفسها حتى تملكها بشكل كامل. كان شعورًا غريبا، كان غارقًا في الحزن وينضح بالشوق ويتوق لشيء قد أصبح أبعد من أن تقبضه. استقر في صدرها حتى اتسع وأحست بالحاجة للانقباض، وفي الوقت ذاته أحست أنها بحاجة للتنفس. كل ما يقبع أمامها، وكل ذلك الحب الذي كان، وكل ما يحيطها أخذ يأتي بغمرة كسيل المطر ليجرف كل ما يقبع أمامه ويضعه بعنف في مقام آخر. أحست بالحزن الذي جلبه كل ذلك الضياع، وبتوق قاتل لكل ما غاب عن الأفق وما سيأتي به الأفق البعيد. إن وهج النور سينتصر، تلك حقيقة صماء. لكن الظلام كذلك سيعود ليأخذ الثأر، ودائمًا يتربص في الأرجاء حتى يحين موعده. إن الوجود، بكل ما يحمله من أفراح وآمال وأحزان وكوارث، في حين ما يصبح أثقل من أن يحمله صدر واحد يقاتل لينتصر لمصيره. أخذ الشعور يدفع كل ما يقطن جسدها للأعلى حتى أغرقت عيناها الواهنة بالدموع. إن القتمة التي تحيطها الآن تبدو أكثر صرامة من أن يحاربها وهجها الواهن. لكن ها هو الأفق الآن، يُغيب الظلام بنوره. وها هو زوجها بجانبها، يتقوقع بين أشباح ظلامه. وها هو جسدها يخونها ويستسلم لمصير الأقدار ويهجر الأماني ويذرف دموع ضعفها وهي تحدق في أعين الفناء.

 

 

١٦

كان تموج وعبق الماء يجعل ظلام هذه الليلة أكثر رقة وحميمية من تلك الليالي التي مضت. لم تكن حصة لترضى أن يبقوا هنا بعد أن اخذوا حاجتهم لكن بعد إصرار هاجر وهجوم الظلام على المكان، أصبح مبيتهم هو أفضل خيار متاح لهم. في غمرة الظلام أدركت حصة أنهم لم يتوقفوا يومًا عن السفر. خصوصًا في مبيتهم حينما يأتي الظلام ليحجب الرؤية ويخطف الألباب لمكان أكثر رعبًا وأقل استقرارًا. كانوا يسافروا في عالم الأفكار لأماكن تبدد الظلام ليحدقوا في تفاصيل الماضي أو احتمالات المستقبل. عرفت أن كل الأمر مجرد هروب ومطاردة لشيء يغفو على الأفق تدفعه أشباح تأتي من الخلف ليلهث الانسان في تقدمه المستمر المحتوم. لكنها تعرف أن ذلك الإدراك لم يكن ليغير كثيرًا من واقعها، ففي الغد يجب عليها أن تمضي في سفرها من جديد لتصل لغايتها. ثم خطفها شعور بليد يحمل عبق البلاهة ليتساءل عن ماهية تلك الغاية، عن مصدرها وفحواها. ثم استغرقت بالفكر لتدرك أن الأمر كله مجرد مشاعر تختلط وتتصادم ثم تتحول لدافع ذو مغزى. عرفت أن هذا الإدراك لن يغير واقعها كذلك. ففي الغد ستصحو لتواجه الشمس ورمال الصحراء في سفرها من جديد.

خرجت حصة من انسياب أفكارها الذي اتبع رتم تموج الماء بعد فترة وجيزة. نظرت في مكان مبيتهم الذي كان بقرب نخلة على سفح أحد التلال، وعلى الرغم من أن عين الماء لم تكن ببعيدة لكنها لم تكن قريبة كذلك، لكن شعورًا من الراحة طوق أنفاسها حينما رأت الفرحة والراحة ذاتها على محيا هاجر. بعد كل المشقة وعذاب الشمس الحارقة أتت عين الماء هذه لتعطيهم قسطًا من الراحة. لكن القلق لم يخمد بشكل تام، فقد عادت أفكارها لتغوص في عمق الماء من جديد. كانت تفكر في مسارهم وتوجههم في الغد وكيف يجب عليهم أن يستيقظوا قبل فجر الليل الأول ليتجنبوا أي شخص قد يمر أو يقطن في مكان قريب ويرد هذه العين. وعلى الرغم من أنها سمعت جراح يتحدث عن هذه العين ذات مرة مما يدل على أنهما يتوجهوا في اتجاه صحيح بشكل ما، لكن قوى القلق كانت تعصف بشكل أقوى، ولم تكن لتعارضها لأنها كانت تعدها شيء يدل على وعيها بحقائق واقعها.

خرجت حصة من عمق أفكارها مرة أخرى لتتنفس بعضًا من الهواء الذي كان يجرف عبق الماء معه. كان عشاءهم التي جعلت هاجر تعده في هذه الليلة تحت أشرافها على وشك الانتهاء والنار تلتهب من تحته. نظرت لهاجر وهي تقبع على مقربة من النار متعمقة هي الأخرى بأفكارها وحسبت تلك المسافة التي تفرق بينهما، ليس فقط في المكان لكن في الشعور والأفكار كذلك. استقامت حصة ومضت للنار. اقتربت من هاجر وجلست على مقربة منها، لكن هاجر لم تلتفت لها. حدقت هي الأخرى بالنار والعشاء من فوقها.

قالت حصة بصوت محايد “الله أعلم إن العشاء قرب يخلص”

حركت هاجر رأسها علامة على الموافقة من دون أن تنطق بشيء. وساد الصمت ليوسع فجوة الفراغ. استقر كل شيء في تلك الفجوة، وسادت سطوة النار على الموقف في هجيجها حينًا وحسيسها في حين آخر. ثم ساد ظلام الليل حولها ليعطيها طابع الأهمية في دفعها وتبديدها للظلام من حولها. ثم أتى صوت تموج الماء من بعيد حينما اشتد هبوب الرياح. واكتمل المشهد في مخيلة حصة، كل هذه الأطراف تجتمع لتحاول أن تغلف المكان بشيء ما، شيء غريب في دفئه ومألوف في حميمية بعض تفاصيله. خر حمل مشاعرها لبعض من الوقت وتدفق الخمول في أطرافها.

ثم، في ومضة أخرجتها من فيض التفاصيل من حولها، جاءت الأصوات من بعيد. انفصل الواقع عما يحيطه وعادت حدة الأشياء لأماكنها المعتادة. أحست بتحرك هاجر بجوارها وتأكدت أن الأصوات التي سمعتها كانت قطعًا جزء من الواقع المحيط. لم تعرف مصدر تلك الأصوات أو ماهيتها، لكنها أحست بغصة في قلبها، فحتمًا ما يقطع هذا الركود لم يكن نوعًا آخر من الركود، إنما كان ضجيج يأتي ويغيب. لم تعرف كيف كان عليها أن تتصرف في هذه اللحظة، وأحست بأعين هاجر تنخر جانب جسدها. عرفت أنها لو نظرت لجانبها حينها يجب عليها أن تعترف بتلك الأصوات وتتصرف بهذا الشأن. لكنها لم تكن مستعدة بشكل كامل. لكن هذا الخضم لن ينتظرها لتفكر وتحلل، ولن ينتظرها حتى تقرر ما تفعل. الآن، في مسلمات الواقع من حولها، يجب عليها أن تتصرف، عليها أن تتصرف بحذر وبصرامة معًا.

 

١٧

من خلف غشاء الرذاذ العالق في الجو، كان الحنين يعبق من ضياء الشمس ليطلي السماء والقابعين أسفلها. كانت الأبواب المفتوحة على مصراعيها والتي تناطح السماء في علوها تتوسط المشهد وتضيف عليه طابعًا من الترحيب والسعة. من خلالها ظهرت المباني وخضرة الأشجار تمتد على مد البصر ومن بينها تظهر الشوارع المكتظة بحركة الناس وأصواتهم التي ترتفع إلى السماء وتنقطع. تداخلت الألوان في بعضها البعض بشكل غير واضح حتى غمرت حمد بشعور من الاشتياق لذكرى لم يعشها قط، ثم تفرقت الألوان لتعود الأشكال على ما كانت. أحس حمد بأن السماء حبلى بمطر غزير، بيد أنها تخلو من السحب، ويطلوها الصفرة والاحمرار لكنها لم تمل إلى غروبها بعد. حدق في السماء من غير شعور لبرهة من الزمن لم يعرف طوله من قصره، ثم، وكأن الزمن سُرِق منه بغتة، أصبح يحدق في البوابة. كان المشهد ذاته لم يتغير عدا أنه يرى شيخًا نحيل يتوشح بالبياض ويلف معظم بياضه بعباءة سوداء على الجانب الأيمن من البوابة. حاول حمد التقدم لكن أرجله التي لم يعد يحس بوجودها لم تحمله على فعل ذلك. تخوف من النظر للأسفل، لكن عندما حاول النظر أصبحت نظراته تحدق في الشيخ الذي يقبع بجانبه الآن.

بيد تربت على كتفه، ابتسم الشيخ في وجه حمد ليكشف عن وجه يفعم بفتوة الشباب. كان الوجه مألوفًا في تقاسيمه التي تحمل الحب وروحه التي تحمل الطمأنينة. لكنه لم يكف عن التغير بسلاسة لم تكن تقطع انسياب الواقع، وبشكل ما كان يحمل الصفات ذاتها في كل مرة. ما أن يحاول حمد أن يتأمل ويحلل المشهد حتى يتداخل كل شيء في بعضه ويظهر مشهد جديد تنقطع فيه أفكاره.

لكنه كان متأكدًا ما أن ربت الشيخ على كتفه وابتسم حتى طفا الاثنان معًا باتجاه بوابة المدينة. وها هو يتعدى أبوابها ليقبع في وسط الجمع المكتظ، أسفل المباني وتحت الأشجار. أتت الروائح واحدةً تلو الأخرى وتصارعت كل منها لتنتصر لكنها تداخلت في النهاية لتغطي المكان بعبق حسن. غاب الشيخ من على جانبه ووقف وحيدًا والجمع يمر من خلاله. لم تأتي الأفكار لتدفعه على الحركة، لكنه تحرك وكأنه يقطن هذا المكان منذ عصور ويعرفه عن ظهر قلب. ببديهية تامة تقدم من بين المباني التي تتشكل كلما مضى باتجاهها. كانت الوجوه التي تعبر على جانبيه تحمل طابعًا مألوفًا لكنه غريب في الوقت ذاته، وكأنه عرفها في زمن بعيد قد نساه.

بغتة أحس بوجع يأتي من خلفه. ما أن استدار حتى حل ظلام الليل على المكان. غمر المكان شعور الثقل. لم تنتظر عيناه للتأقلم على الظلام الحالك الذي غلف كل شيء، كان بأعجوبة يرى كل شيء بحدة ووضوح تحت وشاح الليل. من بين الظلمة تقدم ذلك الجسد الضخم تجاهه. لم يرى حمد تحركاته لكنه ظهر أمامه وكأنه أتى من الظلام ذاته. بعين واحدة حدق ذلك الطيف في حمد لوهلة. خارت قواه ولم يعد قادر عن التحرك أو الهرب. فتح الطيف فمه ليكشف عن ظلمة تقطن داخله. كل شيء أصبح صورة باهتة تتباعد، تزداد كثافة ظلمتها ثم تتلاشى في البعد. كانت العين الواحدة التي أوقدت نيرانها تطفو في الفراغ الآن. حاول حمد أن يشتت نفسه عنها لكن بلا جدوى. ظهر الشيخ يتوشح في بياضه من بعيد ثم اختفى. ثم ظهر مرة أخرى من خلف العين ثم اختفى. أحس حمد بأن قوى العين تجذبه باتجاهها حتى أصبح يحدق في عمقها الآن. أحس بأنه يسقط في لجة الهاوية. تداعت الأشياء في انهيار مستمر من حوله وهو يحاول أن يجد أي شيء ليتمسك به.

ثم عادت الأشياء كما كانت قبل أن يرى أو يحس بالقاع. كان يقف أمام المدينة مرة أخرى، في طلعة الفجر. كانت الطيور تحلق من فوق السوار. الضياء الخافت يطغى على المشهد حتى تجد الأشياء ظلًا ضئيلًا يعكس وجودها. كل شيء يقف باتزان الآن. كل شيء يحمل شعور الخفة. يجري نسيم الفجر ليحرك الأشجار المطيعة والتي تتراقص حيثما يتم توجيهها. تمد الأشجار أغصانها لترحب بالطيور. جمع الناس يسري باتجاه واحد متقاربين. تمتد المئذنة من خلف السوار وتصدح بصوت ترتيل القرآن الذي يقضبه الصدى ليفرق وحدة وجوده. كل شيء ينبض بقلب واحد. كل شيء يتبع الرتم ذاته. اقترب حمد بتوجس وخيفة من المشهد. لم ينطوي المشهد على نفسه. انشرح الوجود على مصراعيه.

من قلب الحدث ظهر ذلك الشيخ ذاته. كان يقف على مسافة بين الحميمية والغربة. اجتاحه شعور يقف على حافة مشاعر كثر وهو يحدق في ذلك الوجه الفارغ المألوف. كان الشيخ يملك ملامحًا مألوفة ولا تغطي وجهه أية ملامح في الوقت ذاته. لم يملك حمد تلك القدرة في التفكير العميق. كل شيء كان مجرد انعكاس، عرف تلك الحقيقة حينما اجتاحه ذلك الشعور، عرف أن الشيخ هو أكثر الأشياء واقعية في هذا المكان، ذلك الشيء التي تتمحور حوله كافة الأشياء. نظر باتجاه الشيخ. تلاقت الأعين، ثم أشرق الوجود من جديد.

كان كل الوجود ضياء. وفي المنتصف يقف ذلك الجسد النحيل الملطخ بحرقة الشمس بأعين يغمرها الحب والأمل. اخرج الشيخ يده من خلال وشاحه ولوح له بالاقتراب. اقترب حمد للمنتصف. كل ذلك الضياء يحوم من حوله الآن.

أمسك الشيخ بكلتا كتفيه ثم قال بصوت تتغير نبرته مع كل كلمة “بل الرفيق الأعلى”.

حاول حمد أن يتحدث لكن ما أن فتح فمه حتى خرج سيل الماء من بين شفتيه وأغرق المكان قبل أن يحاول أن يغلقه. لم يحس حمد بالغرق لكنه غاص في الأعماق. اجتاحت ظلمة القاع كل ما يحيطه وعاد ذلك الطيف يجر أطياف الظلام من خلفه. نظرت العين باتجاهه وابتسمت. ظهر لسان يمتد من بين ابتسامة شفتي ذلك الطيف. التف اللسان حول جسده وأطبق قبضته، وأخذ يتمتم “إن الموت صحوة. الموت صحوة الحياة.. الموت… الموت… يا حمد… يا وليدي… يا حمد…”

ثم عاد الوعي له. فتح عينيه واستقام في فراشه الذي اغرقه العرق. نظر باتجاه ذلك الوجه العجوز الذي سرقه حزن السنين من دون أن يتكلم. ربتت تلك الأيدي الحانية على كتفه.

“بسم الله عليك يا وليدي. كلها أضغاث أحلام وأنا أمك. بسم الله عليك. اذكر ربك”.

قال حمد بفزع وصوت متقطع “أعوذ بكلمات الله التامات…. استغفر الله وأتوب إليه…”

“قم يا وليدي صل لك ركعتين”.

هز حمد رأسه دلالة على الطاعة والموافقة. جلست أمه إلى جانبه وقام هو ليتوضأ ويؤدي صلاته. حينما غسل وجهه عادت تفاصيل الكابوس التي لم تغب. حاول حمد أن يخرجها من ذاكرته لكن بلا جدوى. ما أن يتملص منها حتى تحكم قبضتها عليه. ردد الأدعية في كل تحركاته. حينما عاد ليصلي وجد أمه تقبع بجانب فراشه لم تتزحزح. نظر إليها بشفقة وحب، ثم استقام في اتجاه القبلة وكبر. تلاشت الأفكار تتابعًا كلما تقدم في الصلاة. ثم استوعب أنه في وقت متأخر من الليل ولاحظ الظلمة التي تحيطه الآن.

أضف تعليق