تغريب: النفي والغربة الاجتماعية في أوساط المجتمع السعودي

من أهم الأدوات والأساليب التي تستخدمها جماعات التطرف الفكري الإرهابي هو أن تعزل الفرد عما يحيطه، المجتمع في الغالب، حيث يكون الهدف النهائي هو عزله عن الروابط الإنسانية التي تربطه بمن حوله. فيبقى هذا الفرد، الذي غالبًا يكون في مقتبل العمر متقبلًا أكثر للأفكار التي تمر عليه حيث لم يصل لسن النضوج الفكري والعقلاني، من نواحي نفسية وعاطفية لا يشعر بصلة بما يحيطه. يبدأ الأمر مع صنع الآخر، ويحدث ذلك من خلال تنميط صورة المجتمع الذي يحيطه بصورة واحدة تشمل ذلك المجتمع كاملًا (على سبيل المثال، مجتمع كافر وفاسق ومنحل أو يمضي بذلك الاتجاه)، وينتج عن ذلك تحطيم النسيج المعقد والمتفرع الذي واقعيًا هو ما يبني ذلك المجتمع. أيضًا ينتج عن ذلك الإحساس بفقدان الهوية، والذي غالبًا ما يكون شبحًا يلاحق اولئك الأشخاص في مقتبل العمر وخصوصًا في هذا العصر التي تتصادم فيه الهوية التقليدية المحلية مع القالب المستورد من خلال عولمة الثقافة لنمط تقدمي حداثي. فتقوم تلك الجماعة بصنع هوية جديدة، والتي بالفعل تأخذ أصولها من المجتمع ذاته مع إضافة بعض من الأفكار التي تبدو منخرطة مع تلك التي تحكم المجتمع. فيخرج الفرد، كعضو جديد للجماعة، بهوية ومكانة اجتماعية خاصة في جماعته الخاصة، وبذلك يحدث انعزاله المتصاعد عن المجتمع. فيكون المجتمع جماعة تحمل الخصال الفردية ذاتها والضياع ذاته، والفرد، من خلال انتماءه الجديد، جماعة أخرى وبالغالب أقلية مختارة. وعلى الرغم من أن هذه الجماعات تستخدم أساليب نفسية وعاطفية أو حتى تلك التي تبدو عقلانية ومنطقية في سياق فكري معين، إلا أن الأسلوب الذي يطلق عليه “الغربة الاجتماعية” كأسلوب تلاعب هو أكثرها خطورة وفعالية. حيث أن هذا الأسلوب يستمد قواه من نقاط الضعف والفراغ التي تتواجد في الفرد المستهدف وقابليته لتقبل دور المنقذ لمجتمع قد غاب في دهاليز الخراب والانحلال.

تلك الحالة النفسية ذاتها، مع كل ما يتخللها من تعقيد وبعيدًا عن جماعات الإرهاب المعروفة، هي التي يمر بها شريحة كبيرة من أفراد المجتمع السعودي، وبالغالب من غير علم، سواءً على مستوى فردي أم جماعي. مع مضي السنين، ومع ولادة الدولة السعودية الحالية وخروج أطياف مجتمعها من ذلك القالب التقليدي الذي كان معظم أفراده يقطن الصحراء في نمط حياة بدوية أو قرى ومزارع في نمط حياة قروي وزراعي ليشغل حيز داخل أطراف هذه الدولة الشاسعة في حركة تمدن تكاد أن تكون عنيفة في سرعتها وقاسية في حدتها، نتيجة ذلك حصل هناك تمحور مهم وغير واضح المعالم لهوية الفرد السعودي في إطار الدولة والعصر الحديث. فمع تغير الأزمنة وتلك العوامل التي تتحكم في فحواها يحدث تأثير لابد منه على فرد أي مجتمع، فلا ينكر الشخص ذاك التغير الذي حدث للفرد السعودي مع تقدم التقنيات وسهولة الوصول إلى المعلومة بعد سنوات من التغيب. لا يسعني الوقت، أو حتى القدرة التحليلية الكافية، لتحليل ذلك التغير في فتراته القصيرة الملحوظة في السنين الأخيرة. على أي حال، لم يكن ذلك هو جل تركيزي في هذا المقال.

هذا المقال في أصله لم يكن محاولة لتحليل ماهية هوية الفرد السعودي، فذلك أكثر تنوعًا من أن يُحصر في مقال أو حتى كتاب، أو التغيرات التاريخية والسياسية والاقتصادية التي محورت مجتمعه العريق في أصله وثقافته والمراهق في حداثته وتمدنه (على الأقل التمدن في معناه الحديث) في وقتنا الحالي. إن جل تركيز هذا المقال هو في تحليل تلك الحالة النفسية وتبعاتها التي يعاني منها أفراد المجتمع السعودي والتي تأتي كنتيجة مباشرة من حصر هوية الفرد السعودي في إطار نمطي معين. فلا يخفى على الشخص المطلع والمشاهد لحركة الثقافة الحالية التي تحدث في أوساط المجتمع السعودي سواءً على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الواقع أن هناك صورة نمطية معينة للفرد السعودي. ربما خلقت تلك الصورة النمطية من خلال التصادم الذي سبق ذكره وربما كانت تلك الصورة النمطية مستوحاة من واقع قد حدث فعلًا وشكلها بشكلها الحالي. لكن ذلك سعي لا نهاية له ولا ثمرة تجدى منه، فتوابع ذلك التنميط في إطار معين واضحة وواقعية.

تلك الصورة النمطية الحديثة للفرد السعودي، والتي في بعض الأحيان تطلق كشتيمة ومرادف لنعت الشخص بالرجعي والمتخلف، هي ذاتها تصنع تلك الغربة التي يحسها بعض الأفراد الذي يبدون كدخلاء على نسيج المجتمع السعودي. من السهل والمريح بالتأكيد أن يقسم المجتمع لجهتين نمطية جدًا وتبعية في صياغتها ومعالمها لتلك التي تصنع المجتمعات الغربية، فمن الممكن أن يُصنف المجتمع لجانب ينتمي لليمين، محافظ ومتزمت، وجانب ينتمي لليسار، مناصر للحرية والتقدم. لكن من الصعب هو حصر تلك الصورة النمطية للفرد السعودية لأنها مشابهة للهوية فمعالمها وحدودها تبدو غير واضحة في بعض الأحيان وتحمل انسيابية كافية ليستعصي الإمساك بها وتمحصها وتحليلها. على الرغم من ذلك، فتمامًا كالهوية، يمكن معرفتها من خلال تحديد معظم معالمها.

يمكن حصر معالم تلك الصورة النمطية في أنها في أصلها تقاوم التقدم والتفتح والحداثة. فالفرد السعودي الأصيل، في نطاق تلك الصورة النمطية، ينظر له كشخص لا يحب أو يفضل ذلك التقدم والتفتح والحرية، والتي هي فعلًا تعتبر دخيلة عليه في معظم ملامحها الحديثة. فتستخدم تلك الصورة النمطية في سياق الكلام كشيء عابر، مثل أن ينعت الشخص ببساطة بالسعودي أو هذا الفكر بالسعاودة. الأمثلة كثيرة في هذا السياق سواءًا في نقاشات مواقع التواصل الاجتماعي أو الواقع. فتحصر صورة الفرد السعودي الأصيل في هذه المعالم، وتباعًا كل ما يخرج خارج إطار هذه الصورة النمطية لا يعد سعوديًا أصيلًا.

من المهم أن يعاد تكرار نقطة أن التأطير النمطي هذا في الغالب لا يعد فعلًا يقوم به الفرد من قصد ودقة. لكن كل ما في الأمر هو أن هذه الصورة النمطية تأتي من تقدم وتراكم عدة عوامل تمحورت حتى أصبحت هذه الصورة هي المسيطر الوحيد لمعرفة هوية الفرد السعودي الأصيل. ويجب أن يذكر أن الجانب الذي ينتمي لليمين، بصورته النمطية كذلك في المحافظة والتمسك بالعادات والتقاليد وثقافته الدينية والاجتماعية، يفتخر بتلك الصورة النمطية لأنها تأسس وترسخ أصالة تلك الهوية بتعلقها بالمحافظة والعادات والتقاليد والثقافة الدينية والاجتماعية للمجتمع. كما أن الجانب المضاد له، اليساري، بصورته النمطية كذلك التي دومًا تطالب بالتقدم والانفتاح والسير تجاه الحداثة، يمقت هذه الصورة وينعت كل من يخالفه ب”السعودي” أو “السعاودة” لتكون كشتيمة من نوع ما.

مرة أخرى، جل الاهتمام لا يسقط على معرفة أصل هذه الصورة النمطية أو حتى تجلياتها الواضحة في المجتمع، لكن تبعاتها التي تعتبر وخيمة وكارثية.

الاهتمام هنا ينصب على العواقب الوخيمة والنتائج الكارثية التي تأتي تباعًا لاستعمال تلك الصورة النمطية بشكل متكرر لتغرس جذورها في خيال المجتمع كامل وتصبح طيفًا يلاحق حريته الفكرية واختلاف أطيافه. إن تأصل وتعمق تلك الصورة النمطية هو ما ينتج تلك الغربة وتشتت الهوية التي يشعر بها كل شخص يحمل فكرًا مختلفًا في تركيبته عن تلك الصورة النمطية المحدودة. فيمكن الحكم أنه من غير المنطقي مطلقًا أن تُصنع صورة نمطية بهذا الشكل لأي مجتمع لأن ذلك بحد ذاته سيصنع إقصاءً لأي فرد أو جماعة تخرج عن حدود تلك الصورة النمطية. ولا يخفى أنه كما ذكر مسبقًا أن ذلك ينتج تلك الغربة التي تجعل الشخص ينظر للمجتمع المحيط له كشيء آخر مستقل عنه وتقطع صلة الانتماء التي تعتبر عدة وعتاد المجتمع ليقاوم ويعيش وينمو في تقدمه من خلال الأزمنة وتغيراتها. من ذلك تأتي ضبابية الهوية أو ضياعها، على مستوى فردي أو جماعي. فيجرد الشخص، أو المجموعة، من هويته السعودية، التي تنتمي لأرض الوطن ذاته، وينفى خارج حدود تلك الثقافة لمجرد اختلاف الشخص فكريًا أو تواجده خارج تلك الحدود الفكرية التي تندرج تحت الصورة النمطية.

بالفعل يستطيع الشخص المطلع على المجتمع السعودي وحراكه الثقافي أن يلاحظ وقع هذه الصورة النمطية. فعلى سبيل المثال، من كان يراقب الحراك النسوي على مواقع التواصل الاجتماعي في مطالبته لإسقاط الولاية أو حتى في قضية قيادة السيارة سيلحظ أن ردة الفعل الأولى للمجتمع لهذا الحراك هو باتهام أعضائه بأنهم عملاء من خارج الدولة أو التشكيك في أصالتهم كسعوديون. ردة الفعل الأولى هذه تعتبر طبيعية لأنها تصدر من خوف الإنسان ومجتمعه من تلك الأفكار الجديدة التي يعدها تطفلًا على قداسة حدوده الاجتماعية وتركيبتها المترسخة في ذهن أفراده، التقليديون منهم على أي حال. لكن المثير للاهتمام هو ملاحظة ردة الفعل كدلالة على ترسخ الصورة النمطية السابق ذكرها. وبالنظر من خلال تلك الصورة النمطية للفرد السعودي الأصيل، إذًا كل ما عداها لا يعد سعوديًا أو أصيلًا للمجتمع السعودي. على الرغم من أن نقطة الأصالة هي التي تملك شيئًا من الأحقية في مناقشتها بشكل مطول وهي التي تفتح مجال لمناقشة تلك الأفكار الجديدة التي تأتي لتغزو المجتمع. لكن ما يجب علينا ألا نعطيه مساحة من النقاش هو ذلك النفي لكل فرد أو جماعة تحمل أفكارًا مختلفة عن تلك التقليدية والمحافظة منها. وذلك للسبب ذاته الذي تم ذكره سلفًا وهو أن ذلك سيخلق فروقًا وغربة لأفراد وجماعات كثيرة تعد أطياف مهمة تصنع المجتمع في نهاية الأمر.

إن ذلك التصدع وتلك الغربة الاجتماعية التي تتفشى يومًا بعد يوم هي خطر محدق يرقد منتظرًا لينقض على المجتمع السعودي لتفرقته. وكما ذكر أن تلك الغربة الاجتماعية هي ما تخلق التطرف بكل أطيافه مهما كان التوجه السياسي والثقافي. إنها الأداة المثالية لصناعة العدو وصناعة شبح الآخر، وكذلك ذلك الخوف الذي يخطف الفرد والجماعات من منطقية أو أحقية مطالباتها المشروعة سواءً كانت حقوق مدنية أم غيرها. وعلى الرغم من أنني أعترف بأنني لا أدعي معرفة ماهية الهوية السعودية الأصلية، لكنني أعرف وبكامل اليقين أن تلك الصورة النمطية التي تخطف الشخص من المجتمع وتجعله يحس بالغربة منه وأن المجتمع، أو جماعة أخرى، هو الآخر هي الصانع الأول للتطرف الفكري وهو ما يخرس الأصوات ويقيد الحرية الفكرية والثقافية للأفراد التي تساعده على التقدم والتطور.

أضف تعليق