محاولة

يهب الريح من عصف الثواني وينتفض كيان الوجد وينخمد. وأبقى في اتساعات المكان بلا حراك ولا صوتٍ يجدد صمت الشاعرية المثلى. تغيب العنجهية وتمضي الحشرات تنخر في مخيلتي العصيبة. وافقد توازن المغزى وينجرف المعنى لأعماق مبهمة. أتكلم بلا انقطاع من خلال الحجاب ويسمعني بحرص كائنًا من كان ويهز رأسه. يفهمني ولا افهم ما يريد. واسمع أنفاسه تتحرك بلا انتظام وبوحشية غامضة. لا يكترث لساني بما يحرك كياني ويغيب في سراديب المعاني والأمنيات. ويرجع من جديد لأرض القصيد ويسقط على وجهه مكتوف اليدين، مغمض العينين وصامت. يفقد حواسه ويقبل قدم الحارس على باب المواعيد الملحة ولا يرضى بالرجوع. اختار الخضوع أمام الشعور باللاوجود وامضي ارسم بخطٍ أحادي بلا اصطدام أو انكسار. اعبر عما ضناني وعن من نفاني من سراديب كياني. فارسم قطة، تبدو لطيفة لكنها تخلو من الواقعية وتحمل شيطانًا يتسرب من عيناها ويخرج كبكاء أو كعواء. ارسم حمامة، وتُضرب بالحجارة وتسقط ترجف ثم تموت. وارسم جدارًا يفصل بين حبيب وقصة حب عما سيكون. يبقى الجدار، ويمضي الأحبة بالآمال وأحلام الرعاة والبسطاء. لكن يومًا سيأتي وتطير ورقة الجدار وينكسر فعلًا ويحتضن الجمع جمعًا آخرًا بكل امتنان. وارسم قرشًا وبنقلب على جانب آخر. يبقى يدور. وبلا توقف يقطع يدي ويذهب بعيدًا ثم يعود ليجرح ساعديّ وقلبي. وارسم آلة العزف القديمة وينحني جانبها فتاة جميلة تحمل ثعبانًا بين فخذيها يخرج ويختبئ ويعزف لحنًا يكون ضحاياه أهل العاطفة والعاشقين. وارسم فكرة، تبقى لجيل سيأتي بعدي وتبقى لكم من الأجيال. ويأتي شجاعًا يمحي الرسم ويرسم فكرًا جديدًا مثير. وارسم شعري، ملامح وجهي، وذقني المتين. أبدو كمن غاب عنه النوم لفترات طويلة بلا انقطاع. أركز حقًا في رسمي لنفسي ولا أجد غيري يركز بي. أعرف أن جميع الأمور خدعة، وأن يد الكون تعبث بي. لكني ارسم وجهي أخيرًا متطلعًا لذات الكون الوسيع. وتأتي النيازك تحطم وجهي، رسمي وحلمي، تحطم كل ما تستطيع. وأعرف بعد الرجوع لفكري أن رسمي لا يستحق. سيمحى بيوم، وسيبقى محاولةً تثير التقزز. سيبقى مجرد محاولة قرد يحاول فهم النجوم البعيدة، ويقفز قفزة متأملًا أن يخطف سحابة من زرقة السماء.

أضف تعليق