يحط الطير على قامة الأفق. ويحن الحمام إلى موطنه. ويبقى الصراع يصنع طريقه من خلال الرمل. فجر الشتاء يزداد برودة وتشرق الشمس بتوجس بين خجل وتردد. من خلف هامات المباني، ومن خلف امتدادات السياج، تمتد السماء. تتخالط درجات الصفرة مع الزرقة بعناق ملحمي. أشعر بدفء الوطن وحميمية الموتى أكثر من أي وقت مضى. مازلت صامدًا في وجه ذاك المدفع الساخن ودخانه المتصاعد حينما ينتصب الصباح على قدميه، ويتنفس من خلالنا. يظهر الطيف من خلال الركام ويقترب ساترًا شعاع الشمس بقامته. تطير الطيور، ويحط الحمام على سياج منخفض وكأنه يود أن يرى بحذر واهتمام ما يحدث. يسألني، هل حلمت في طيف النسيم يومًا؟ هل عبرت من خلال الحلم غفوًا في الأماسي؟ هل غفلت العبق في صباحات الربيع؟ هل شعرت جنة الخلد في عناقات المآسي؟ هل مضيت الحياة رحمة وتعاطف؟ وماذا عن الحب؟ هل جلست على جرفه وخلعت نعليك وغمست أطرافك؟ هل وجدت النار تنتظر، في وسط الظلام الحالك، بعيدًا عن الوطن، والله ينادي أن تطأ أرضه الطاهرة؟ وينحني الطيف ليقبل الظاهر مني توجسًا وخيفة. ويعجل الليل في قدومه ويغوص مرأى بصري تحت ستر الشمس. مستورًا عن الشمس، ابكي مسامعي. اسمع صوت الذكريات. صوت الطفولة تمضي بين ضحكات وغضب. أيدي صغيرة دافئة تلمس مقبض الباب البارد وتصمت حيرة من ذاك التناقض. ولربما كان الوجود منطقيًا، للحظة. ولربما كانت وطأته أقل قسوة على قلبٍ صغير يحلق وسط صدرٍ خالي. ولربما كان الارتفاع نحو السماء يشابه ذاك الوعد القديم. توجه عالي نحو الجنان. يبتعد الطيف ويقول لي، أترى؟ هنالك في السديم؟ وطار الحمام عاليًا حتى أقتصر على بصري الرؤية، أو كان الأمر مجرد خدعة وسحر. أترى؟ هنالك في السديم؟ هنالك يرقد قلبي الرحيم. هنالك من حيث أتيت. وسأذهب يومًا هنالك. سأحلق مكتوف اليدين، وقلبي الدنيوي في يدي أطلب البعد وقليلًا من النشوة. أترى؟ هنالك في السديم، خلف السراب، وخلف هامات المباني وارتفاعات الصباح؟ خلف امتدادات السياج والمآذن؟ هنالك حيث سنرقد في المساكن هانئين. حيث تكون الشمس أقرب، ويعمينا الضياء. ونرقص بين يدي القمر في امتدادات الخواء. وسنتسامر الذكريات حينًا تحت ظلال المنابر. وسيكون الجمع شيئًا واحدًا يجادل نفسه، ويحتضن كل شيء. هنالك، كل شيء يحتضنك. كل شيء في مداعيس الجنان يستقيك وينتظرك. يحط الحمام ويسرق انتباهي للحظة. تعود الشمس في نصب عيني تخترق ناصيتي. يمر شعاعها صانعًا عينًا جديدة. انظر للحمام، وللطيور، ومن خلال الأفق. في فجر الشتاء البارد، امضي في رؤياي. وانظر عاليًا، هنالك في السديم، أرى قلبي القديم. اجتبي الدفء وامضي قدمًا. وانظر من حولي، متسائلًا عما جرى. ها أنا الآن، هل يا ترى فعلًا أرى؟
أضف تعليق