أبحر فإنك لم تعد تطالب بالرضا. أبحر فإنك لم تعد تسعى لأن تكون. أبحر فقلبك خامل ومشاعرك الفياضة لن تُرى من خلال الموج الغامر. أبحر فصدقك غافل وقداسة الأشجار لن تبقى ليوم واحد، تُقطع كأنها لم تكن. أبحر واغرق بحب البحر حينًا واستمر قدمًا تطالب الأسماك حبًا مستحيلًا لهكذا مخلوق. أبحر واصنع سفينتك الرديئة تقاتل الأمواج وترقص في الرياح العاتية تمخطرًا وسكينة. أبحر وعد لذات البحر ذاته، واكتب اسمك المنسي على زبد البحر لعلك تلحق الغفران من على الشاطئ. أنسى كأنك لم تكن. عبثًا تحاول أن تكون. أنسى كأنك لم تكن، واعبر بحورًا، وفي خيالك شيد قصورًا للقصص. حينما يلتقي العاشق حورية البحر الجميلة ويهيم سحرًا من خلال الماء ويضحي غرقًا للحب والانتماء. ويعيش في هوى عالم الأسماك، يعيش الانتشاء. حينما يقاتل البطل المغوار جيوشًا وقبائل، ويسقط موتًا على سيفه حفظًا لشرف عائلته النبيلة. حينما تخرج امرأة شجاعة عن نمط الرتابة وتقاوم، وتموت مكسورة الجناح مهملةً حسيرة. حينما يتأتأ طفل من بين يدي أمه ليصل إلى ذاك الفهم ذاته. أبحر واستقي الفهم ذاته. أبحر وخذ نفسًا عميقًا، نفس الخاشع في صلاته. نفس العابد في سكاته. أبحر وخذ نفسًا عميقًا. يشق البحر كعصا موسى معجزةً وسحر. واعبر إلى أرض الوعود. أنت وقومك، متماسكين. ترددون الصلاة القديمة ذاتها. فتمسك السماء دموعها ألا تغرقوا من حزنها. وتكتم الأرض نفسها حبًا ورحمة. اعبر إلى النفس الأخير، والفظ حياتك. تتساقط الأزهار من رئتيك. ويخرج الخوف من جفنيك، نومًا هنيئًا. وتتطابق شفتيك، قُبَلًا وأحضان هوى. وأحضن سريرتك الدفينة في كلتا يديك. فهي تبكي شوقًا عليك. ويخرج الطير السجين من صدرك محلقًا عبر الكواكب والنجوم، وإلى الوراء. حيث هنالك اللاوجود والعرش العظيم يمضي تموجًا على الماء. يسقي شجرة الحياة بلا تراخي. واسقط حملك عن ساعديك. وانفض خصرك النحيل وانفخ ما تبقى على كتفيك. واسقط ركوعًا، واخشع بكائًا أو نحيبًا وابتسامة. واسمع ذاك الحكيم في كلامه. أبحر كأنك لم تكن. واقطع بحورًا. واترك شجرة الحياة تطبطب على وجنتيك بأياديها العديدة. كن ابنًا صبورًا. وأبقى صادقًا لما ليس هنالك، من حيث أتيت. دومًا مقاتل. تحارب الموت بصدق، وتسري كالأموات. من خلال ضباب البحر تلمح مركب النجاة. تبقى في مكانك ذاته طلبًا للمساعدة. قد تعبت البحر دومًا، وقد مللت. قد تركت البحر يومًا ورحلت. أنت لست هنالك. يطفو اسمك على زبد البحر ويلطم الشواطئ. لا يحدث ضجة أو اضطراب. ثم يبحر مبتعدًا كثيرًا، ويختفي خلف كثبان السراب.
أضف تعليق