أولئك الذين مروا من خلال الوجود بخفة

على جسد امرأة تحارب الموت بضراوة، تنبع الحياة. تجري الحياة كجريان الموت. فهي تأتي بشكل موجات لا ترُى. تنبع على شكل طاقة تخترق الأفق المحيط فتحيطنا بطهر العري. تمر أحلامي من خلالها كطيف يحمل الوجود بخفة. يعبر الطيف من خلال وجوه العابرين. يرقص حينًا في مسرات المساء. ينوح حينًا في عزاء موت أحدهم. يعبر الأرض ويتوقف عند ورود تحتضر. لا يفعل شيئًا غير وجوده بجانبها. يمر من على شواطئ كثر، ويوقفه تعبير سمكة بالحب لطفلها. لا يفهم الطيف حبًا كذلك، فهو واقعي الخصال ويغمر شعوره بالأفعال. يمضي ويقف. لا يوقفه التعب لكن توقفه الدهشة. يمر من خلال ضحكات الصغار وبكاء كبارهم. لا يعير اهتمامًا لكلاهما، لكن يضحي لهم بوجوده العابر. الطيف ساهر فوق جفون المرضى. يترقب الموت لكن لا يتمناه. يحول عليه الحول ثم يعود. يقف أمام شاب بكامل صحته ويستنشق عبق الحياة. يمر من خلال أطياف أخرى ويلقي السلام كاسرًا صمت الوحدة والملل. يمر طيفًا يلتحف السواد كتعبيرًا عن ماهيته. ذلك الطيف الخفيف لا يثقله سواده، يبقى على الموجات ذاتها. ينتقل كأنه طيف البياض الوحيد. لا تثقله صفة الوجود، عدا ما تبقى من ملامح حياته السابقة. يمضي بجانب طيف يتلاشى باستمرار. كنبض قلب حيوان مفترس يطارد فريسته ينبض من خلال الوجود وخارجه، عبر النوافذ كلها. أحيانًا يقلق الطيف ذاك العبور. ينتقل بخفة بهلواني إلى مشاهد أخرى. أم تبكي جثة طفلها. محارب يطعن أخاه. عالم يشهد دمار العالم بأعين يملؤها اللهب. سائق يصطدم بحاجز لا يكف أن يكون هنالك في كل مرة. الذنب ذنب الحاجز. حاجز يقف في مكانه دفاعًا عما يؤمن به. حواجز متحطمة على مد البصر، ويد الله ترعى ما تبقى منها. نبي يسقي حيوانًا جريحًا. كاتب يجلس على سريره في الصباح ويشرب قهوته على مضض. حارس أعمى لا يرى شيئًا خلال الليل ولا النهار ويظن أن ذلك ما يجعله لا يقهر. جريح حرب يمد يداه إلى عنان السماء وهي تبتعد بروتينية ساخرة. فتاة تخر ضحكًا على طرفة قذرة. فتى يمسك بجناحين طائر ميت حاملًا إياه من خلال الهواء ليجعله يطير. مهرج يعني الطرفة التي يفعلها. رجل عجوز يولج يده تحت ملابس امرأة بدينة عابرة. عامل يحتفظ بقطعة خبز للغد، واثقًا بأن غدًا سيئًا كاليوم سيعود. لا يتحرك الطيف مثقال ذرة. تلك المشاهد لا تؤثر فيه. هو فقط يعيرها وجوده. يشهد الوجود. فهو الشاهد على خلق الله، وما يفعل بالوجود. لبرهة ذات يوم، تمنى الطيف أن ينتظر حافلة تمر لتقله لمكان ما، كعمل أو ليرى فلمًا مع من يمكن أن يكونوا أصدقائه. تمنى أن يحس بمضي الوقت، برهة برهة. أن يمتطي الحافلة وينظر حوله ويختار مقعدًا ليكون ذاك هو مستقبله اللحظي. لكن الأمنيات كنقطة المطر ستسقط يومًا في محيط وتساعد في حركته الشاملة وكأنها لم تمر يومًا من خلال السماء لوحدها. الطيف هو نقاط الماء والمحيط معًا. مدًا وجزرًا. القوة الصارمة التي تهشم الحياة وتعطي أمل إعادة بنائها. هدمًا وأغنية أمل. يومًا ما، من دون أن يلحظ أحد، سيجف الطيف، ويعود لمقعده بين الغيوم. فهو العابر من خلال خلق الله، وما يحدث بالوجود. هنالك وعلى جسد ملاك يخلق الموت بضراوة، يموت الطيف.

أضف تعليق