ظلماء كانت الليلة. غائبٌ كان النهار. أتبع خطواتي عائداً إلى أعماق الغابة بحرص شديد. لا أرى شيئاً، ولا أسمع شيئاً كذلك. لكنني أحس. أستشعر كل ماحولي بحساسية حشرة عمياء. أشعر بوجود الأشياء، لكنني لا أرى شكلها ولا أعرفه. كل مايحيط بي هو الظلام الدامس الذي يبحث عن ضوء تعكسه عيناي لكي أراه، لكنني لا أراه. الغابة تفقد الضوء، وأنا أفقد كثيراً من حواسي. لكنني أستشعرها. الغابة لا تستشعرني. ترفض ذلك لسبب ما. تريدني أن أراها. تبعث صوت قبيح يشابه صوت غراب قد أتعبته السجائر. يشد ذلك إهتمامي فأستشعر حركة الأشياء من حولي وكأنها تضحك بسعادة. ينقطع كل شيء فجأة. بشكل ما يعود الظلام رغم أنه لم ينقشع. تزيد حميميتي مع الظلام فيسري مع ظلامي الداخلي. يلعبان معاً فيتبادلا الأدوار، فلا أعود أميز الفرق بينهما. أفقد نفسي للحظات، لكنها لا تبدو كلحظات. أشعر أنني فقدت نفسي منذ زمن طويل. تعيدني فرقعة أصبع غامضة إلى نفسي. يغيب الظلام ويزداد حضور الأشياء، فهي لطالما كانت حاضرة. أبحث عن مصدر الفرقعة فلا أجد تفسيراً واضحاً. تبتسم لي شجرة حمراء قد سخرها الزمن للشكل الذي يريد. تحني أحد فروعها وتقدم لي ثمرتها الحمراء. أقطفها ثم أقضمها. تفرقع الثمرة على بوابة فمي، فيعود الظلام كأنه لم يغيب. لا يلومني على غيابي، لكنني أصرخ في وجهه صرخة لا تؤثر على موجات الصوت لكني أسمع تأثيرها على موجات الصدى بعد حين. يغشاني الصمت. يستمر الظلام بما يتقنه، لا يتحرك، لا يشعر، لا أسمع صوته. لا منفى هنا، ولا وطن. يستطيع أن يقدم لي الظلام مخرج، لكن وحدته تمنعه. تقدم الغابة اعتراضها على مايحدث بموجة ريح مليئة بالغضب. “هنا” يقولها صوت قد عبر مع الريح. يعود كل شيء كما كان، وأعود أنا كما كنت. أستشعر الأشياء بشكل يوحي أنني إعتدت على فعل هذا لمدة طويلة. تُقدم الغابة اعتراضها مرة أخرى بغضب أكثر، وبريح قارصة البرودة هذه المرة. “هنا” يهمسها صوت دافئ تحمله الريح. “أين؟” أصرخ، لكن كصراخي السابق تخذله الموجات الصوتية ويجد موطنه بموجات الصدى البعيدة. لكن لا أحد يجيب. أكرر الحقيقة الوحيدة اللي تأكدت منها هنا، “لا منفى هنا، ولا وطن.” لا يقدم لي الظلام مخرجاً، يستطيع، لكنه ببساطة لا يريد. أستشعر ماحولي من جديد، فلا أجد غير جسدي مستقراً لراحة يدي. أمد يدي لمكان أبعد، لعلي أشعر بنور ما. تشق يدي كل الظلام الذي يحيطها وتلتمس نوراً هناك. سرعان مايغيب النور. تعترض الغابة مرة أخرى بريح أكثر صرامة. “هنا” يهمس الصوت الدافئ الذي تحمله الريح مرة أخرى. لا أُتعب نفسي بالسؤال هذه المرة. أستشعر ما أسفلي. “هنا مستقر، هنا وطن” هذا كل ما أفكر به. أجلس. أُغمض عيني. يسري الظلام لداخلي، ويصبح ظلاماً واحداً مع ظلامي. يغطي جسدي دمي الأحمر فيدفئني. “هنا” اهمس بكل طمأنينة وبكامل الرضى، فيرددها الصدى بكل دفئ. ابتسم، فأصبح جزءاً من الغابة، فتحملني ريحها ويسرقني الزمن.
أضف تعليق