هذا هو السفر الأخير

هذا هو. هذا هو المشهد. هذا هو المشهد الأخير. كل الأشياء في مكانها المناسب. كل الأشياء تصبح علامات تذكرني بأنني مررت بهذا مراراً وتكراراً. كل الأشياء تنتمي إلى ماتنتمي إليه، وكلها تبدو مألوفة بشكل غريب. يتباطأ كل شيء، فيبدو الزمن أطول والمكان أكثر دقة ووضوح حتى يتلاشى بتدريج كلاسيكي وكأن المكان مر بهذه التجربة من قبل. يتفكك المكان بإحترافية عالية. هنا نهاية الزمان، ونهاية المكان. هنا يتوقف كل شيء عن الحراك، ويفقد كل شيء لونه. هنا تنقطع الموسيقى ويُعزف الصمت اللامتناهي بقيادة عجوز أعمى لا يحمل أي آلة عزف. محاطاً بالبياض يبتسم لي، وتتغير معزوفة الصمت. “هنا ستنعم بما لا تريد” يقول لي. “وما الذي لا أريده؟” اسأله باضطراب. “هنا ستفقد كل حواسك، وتنعم بجهل لا نهائي” يرد وهو محافظاً على ابتسامته. يضيع مني الكلام حرف، حرف. تتساقط الحروف حرفاً حرفاً من فمي، أحاول جمعها فتتلاشى، وتهرب مني. يعود لي الوعي بفترات متقطعة، فأشك في وعيي. أميز أنني لازلت في المشهد الأخير. انظر حولي، وأعد صمت مابين الثواني. كل شيء يبدو أكثر وضوحاً. تعود لي الكلمات فأصرخ “لا أريد الذهاب. فهمت كل شيء الآن.” لا أحد يسمعني، ولا أحد يجيب. كل تلك التفاصيل تعود لتتلاشى. أحاول أن أمسكها، وأصرخ لعلها تسمعني أو يسمعني أحدهم. لا أحد هناك. وحيداً أشهد المشهد الأخير. يتلاشى كل شيء ويبقى البياض. تزول الموسيقى ويبقى الصمت. يعود العجوز الأعمى، يقبلني، فأولد من جديد.

أضف تعليق