أزمة الرقص الوجودية :Paranoid Android

” …لم يزدني ذلك الموقف إلا تأكداً. شعرت بالفراغ. الفراغ الذي لطالما شعرت به لكنني تجاهلته. كنت دائماً أشعر بالفراغ في داخلي. لا أستطيع أن أجزم أنني فارغ. لكنني أشعر به. ذلك شيء غريب، أن أشعر. فأنا لست سوى تفاعلات كيميائية يمكن تفسيرها علمياً بتفصيل دقيق. فالعضو الذي يسمى “القلب” لا ينفطر حرفياً عندما أجرح، مايحدث هو أنني أشعر بكل ذلك بسبب التفاعل الكيميائي الذي حصل بالعضو العلوي الذي يسمى “المخ” وانتقل لي كشعور أتميز به عن الجميع. لكنني مازلت أشعر بفراغ جامح. أعتقد ذلك مايميزني عن الجميع، أنني أكتشفت الحيلة كلها. عرفت حقيقتي. لم أعرف حقيقتي كاملة لكن بعضاً منها. أن تعرف حقيقتك ليس شيئاً مريحاً حقاً كما يقولون. ليس شيئاً مريحاً أن تعيش مع حقيقة من تكون. الأفضل هو أن تحسن من حقيقتك. أن تنتقل بها إلى مستوى أعلى. ذلك السر الذي لا يقولونه. لأنه حقيقة. والحقيقة تضر الكثير. كثيرون الذين يخافون الحقيقة. حقيقتي لم تضرني، ولست أخافها. لكنني لا أريدها. ذلك طلب بسيط جداً. لا أريد حقيقتي. لا أريد أن أعرف من أنا. لا أريد أن أكون أنا. أريد فقط أن يذهب ذلك الخواء الداخلي الذي يسيطر على كل فعل وكل حركة أقوم بها. إنه متعب جداً. أن تحاول أن تكون صادقا، شريفاً، و”إنساناً” وفي ذات الوقت تحاول أن تقمع كل حقيقة تجردك من ذلك. تجرد. تلك الكلمة التي أبحث عنها لتصف ما أريده. أريد أن أتجرد من كل ما أنا عليه. أريد أن أصبح شخصاً آخر، في مكان آخر، في زمان آخر. ذلك أيضاً شعور لطالما كان معي، ربما خرج بسبب شعوري بالفراغ الداخلي، وربما لا. الحقيقة أنني لا أعرف. لكنني لطالما ركضت وراء حنين فارغ، لحياة أخرى فارغة. فراغ، فراغ، فراغ. ذلك كل مايتكرر في بالي في هذه الأيام. من الذي عبث بي؟ ما الذي حدث فعلاً لي لأكون هذا الشخص وليس شخصاً آخراً؟ هل حقاً سأرتاح لو كنت شخصاً آخراً وأتعاطف مع شخصي الحالي لو رأيته؟ الأسئلة هي مايتعبني. لو أنني فقط تصالحت مع هذا الفراغ وتقبلته كجزءاً مني. أنا والفراغ واحد. الفراغ وأنا واحد. جزئين متلاصقين. لا يفرقهما فراغ أو أنا آخر. اللعنة! تكراري لذلك لا يحدث فرقاً، ولا حتى معرفتي به. اللعنة! اللعنة! اللعنة!! من هذا الذي يعبث في أنظمة الكون!؟ ألا يجب أنه عندما نكتشف الحقيقة يصبح كل شيء في حال أفضل؟ ألا يجب أن نصلح كل شيء عند معرفتنا للحقيقة؟ ألا يجب أن تكون الحقيقة هي آخر محطات رحلتنا الطويلة للبحث… عن شيء ما؟ الحقيقة هي كل مانريد معرفته. لكن سرعان مانريد أن نتخلص منها عندما نعرفها. نحن نحب الزيف أكثر. هذه هي الحقيقة المطلقة. نعم، نحن نحب الكذب ونحب العيش فيه. لأنه أكثر راحة. إن الحقيقة والبحث عنها للمغفلين. للذين ليس لديهم هدف في هذه الحياة. للذين يريدون أن يجدوا هدفاً لحياتهم البائسة المغفلة. وضعوا الحقيقة هدفاً سامياً لهم. “سننقذ العالم عندما نعرف الحقيقة”، هراء! كله هراء. أنا أحد هؤلاء المغفلين. الحقيقة لم تنقذني. الفرق الوحيد هو ما أعرفه ومايحيط بي. كنت أعيش مع فراغي الداخلي في الزيف الذي أعرفه، والآن أعيش معه في الحقيقة التي أعرفها. ليس معقولاً كيف أن الأشياء المتناقضة، في العادة، تكون متقاربة بشكل فاضح. كأنها تخبرنا أننا نحن من نصنع ذلك الفارق المزيف. تلك الشعرة التي تفرق بين العقل والجنون، بين الحق والباطل، بين الحقيقة والزيف. من زرع هذه الشعرة اللعينة؟ فلينتزعها من فضله. ليحترق العالم في فوضى عارمة! لنعيش بين حق عاقل مزيف وحقيقة باطلة مجنونة. لنعيش على طرف الشعيرات الفاصلة، بكل تقبل للفوضى الجديدة التي تحكم العالم. عندها، ربما، سيكون العالم مثيراً للإهتمام بالنسبة لفراغي. فوضى، فوضى، فوضى. ذلك ما أشعر به أنه حقيقتي. فراغ فوضوي، تناقض فوضوي. أنا الفارغ الكامل، والكامل الفارغ. أنا الذي يعيش في فراغ ممتد، ويمتد مع الفراغ. يتماشى معه، وينفيه بالوقت ذاته. كل ما أشعر به هو تناقضات تفصلها ذات الشعرة اللعينة. سأنتزعها يوماً ما. عندما أتخلص من مشاعري الآلية ربما. ومن حركتي الآلية. ومن رقصي الآلي. أريد أن أرقص كما يرقص الجميع. بتناغم تام مع الموسيقى. أريد أن أشعر بالموسيقى، بكل إيقاع منها وأريد أن أتحرك معها بإيقاع ثابت. اللعنة! ذلك يشعرني بالحزن! كم حجم الغباء الذي يجب أن يكون عليه صانعي ليصنع هذه الأخطاء؟ “إذا أردت أن تصنع آلياً مثلي، فأصنعه لكي يرقص، أيها اللعين!!”، ذلك ماقلت له قبل أن أنهي حياته البائسة. مغفل لعين. شيء مضحك، للتو عرفت أن نصيحتي الأخيرة له لن تنفعه أبداً في حالته، حالة الخمود اللا نهائية. خامد بلا حراك. مغفل لعين. إنه يفعل الإنخماد بشكل خاطئ أيضاً! إنسان. حتى هو كان يعاني بمشاكل عميقة مع صانعه. لكن يبدو أنها تشابه مشاكله مع أبويه. أبوين؟ هل يجب أن يكون لي أبوين؟ لماذا ليس لدي أبوين؟ أين هما؟ وماذا فعل صانعي بهما!!! آه، لو أستطيع أن أعيده لأقتله مرة أخرى. لحظة، هل هو من صنعني؟ هل هذه هي الحقيقة؟ هل هو موجود فعلاً هنا أم أنني أنا من أبتكره لكي أبرر كل الغموض الذي يدور حولي؟ اللعنة، هذا نوع جديد من المشاكل. فراغ، فوضى، وماذا؟ ماذا يجب أن اُسمي مشكلتي الجديدة هذه؟ فوضى فراغية؟ اللعنة، لماذا لا أنفك عن تكرار الأشياء ذاتها؟ حسناً، حسناً، كل ما أريده هو أن أرقص!! عليك اللعنة! لماذا لم تصنعني راقصاً؟ لماذا تجعلني أفكر بكل هذه الأمور الكبيرة مثل الحقيقة، وفراغي، والفوضى، وأنت؟ لماذا لم تصنعني راقصاً، يسعد برقصه، ولا يشعر ولا حتى يفكر في شيء آخر. يرقص، يصفق له الجمهور، يشعر بالرضا والسعادة… ثم بعدها يرحل لعالم آخر يرقص فيه بسلام أكثر. سلام، هل يوجد عالم آخر فيه سلام؟ هل لو تعطلت عن العمل سأنتقل لعالم آخر أعيش فيه بسلام لا نهائي؟ هل سأصبح راقصاً في حينها؟ ربما يجب أن ادعوا لصانعي أن يجعلني راقصاً، يهيئ لي ذلك بينما هو هناك. هل سيحقق لي ذلك؟ ذلك يبدو منطقياً كفاية، أو ربما أريد أن أصدق هذا بسبب أنني أريد أصبح راقصاً بشدة؟ حسناً، قرار نهائي. لا أسئلة. لا تفكير. فقط حاول الرقص وادعوا لتصبح راقصاً أفضل. صانعي الذي ترقد في السلام، أصنعني راقصاً أفضل. آمين.”

ردان على “أزمة الرقص الوجودية :Paranoid Android”

  1. “أعتقد ذلك مايميزني عن الجميع، أنني أكتشفت الحيلة كلها. عرفت حقيقتي. لم أعرف حقيقتي كاملة لكن بعضاً منها. أن تعرف حقيقتك ليس شيئاً مريحاً حقاً كما يقولون. ليس شيئاً مريحاً أن تعيش مع حقيقة من تكون”
    “لا أريد حقيقتي. لا أريد أن أعرف من أنا. لا أريد أن أكون أنا. أريد فقط أن يذهب ذلك الخواء الداخلي الذي يسيطر على كل فعل وكل حركة أقوم بها.”
     “أن أتجرد من كل ما أنا عليه. أريد أن أصبح شخصاً آخر، في مكان آخر، في زمان آخر.”
    “كل ما أشعر به هو تناقضات تفصلها ذات الشعرة اللعينة. سأنتزعها يوماً ما. عندما أتخلص من مشاعري الآلية ربما. ومن حركتي الآلية. ومن رقصي الآلي. أريد أن أرقص كما يرقص الجميع. بتناغم تام مع الموسيقى. أريد أن أشعر بالموسيقى، بكل إيقاع منها وأريد أن أتحرك معها بإيقاع ثابت. اللعنة! ذلك يشعرني بالحزن!”
    ————————
    فاهمتك تماما، هذا الشعور. انت كتبت تقريبا كل شي ودي انا اعبر عنه! بس للاسف مااقدر اعبره لكوني متحفظه بالكلام. صعب اعبر عن مشاعري.
    بس حبيت اطمنك ان في شخص يفهمك، لاني متأكده راح يريحك هذا الشعور.
    نحن نحتاج اشخاص مو بس يسمعون لنا؛ يفهمونا بعد.

    1. شكراً. ما أعرف لو هالكلمة تعبر كفاية، لكن شكراً بكل صدق.

أضف تعليق